قد تبدو كأنها مخلوق خرج من حكاية خيالية، غير أنها موجودة فعلًا، إنها سلحفاة صغيرة جدًا خرجت إلى الحياة برأسين، ولا يزيد وزنها على 5.2 جرام، أي ما يقارب وزن ورقة واحدة.
فقست السلحفاة النادرة من بيضة في موقع تعشيش محمي بمدينة ويلفليت الأمريكية، قبل أن تصل عبر جمعية ماساتشوستس أودوبون إلى مركز كيب للحياة البرية، حيث استقبلها الفريق الطبي وتولى رعايتها، ومنذ ذلك اليوم، تخضع لمتابعة بيطرية دقيقة ترصد شهيتها وسلوكها وطريقة تنسيق رأسيها مع جسد واحد.
ولا يقتصر ما يلفت الانتباه في السلحفاة على شكلها الغريب، إذ إن ثنائية الرأس، أو "Bicephaly"، حالة نادرة تحدث أثناء نمو الجنين، عندما يفشل توأمان في الانفصال بصورة كاملة، فتتكون داخل البيضة بنية واحدة برأسين.
حالة نادرة تثير اهتمام المتخصصين
وتتضح ندرة هذه الحالة أكثر حين ننظر إليها من زاوية المتخصصين أنفسهم، إذ تقول إدارة مراكز نيو إنجلاند للحياة البرية إن فريقها لم يشاهد سوى حالتين أخريين من هذا النوع خلال السنوات الخمس الماضية.
ويوضح الفريق أن "هذه الحالة نادرة بشكل خاص بالنسبة إلى فريقنا"، مشيرًا إلى أنه واجه حالات غير معتادة من قبل، إلا أن كل حالة تمنحه فرصة جديدة لمعرفة المزيد عن تشريح هذه الحيوانات ووظائف أجسامها، ولهذا يراقب الأطباء البيطريون السلحفاة عن قرب، مع تركيز خاص على قدرتها على تناول الغذاء وسلوكها اليومي، لأن مثل هذه المتابعة تساعد على فهم الطريقة التي يعمل بها رأسان داخل جسد واحد، وما إذا كانا يتشاركان الوظائف الحيوية بصورة طبيعية.
مقاييس مختلفة لسلاحف تعيش حتى 40 عامًا
وعندما نعرف النوع الذي تنتمي إليه، تتضح أكثر المسافة بين هذه السلحفاة ومقاييس أقرانها في الظروف الطبيعية. فهي من السلاحف الماسية الظهر، واسمها العلمي Malaclemys terrapin، وهو نوع قد يصل عمره في البرية إلى 40 عامًا، رغم أن حجمه يظل محدودًا قياسًا إلى هذا العمر الطويل. ويبلغ طول الذكور نحو 12 سنتيمترًا، بينما قد تصل الإناث إلى 27.94 سنتيمترًا، ويظهر الفارق بين الجنسين بوضوح إلى درجة أن وزن الأنثى قد يبلغ 5 أضعاف وزن الذكر. أما السلحفاة ذات الرأسين، فما زالت في مرحلة مبكرة جدًا مقارنة بهذه المقاييس، إذ لا يتجاوز وزنها 5.2 جرام.
حياة في المستنقعات المالحة
وتعيش السلاحف الماسية الظهر في المستنقعات الساحلية المالحة شمال شرقي الولايات المتحدة، حيث توجد 7 سلالات فرعية معترف بها، تشترك جميعها في النمط الماسي المميز وحلقات النمو المتراكزة على الصدفة.
ويعتمد غذاؤها في البرية أساسًا على اللافقاريات، مثل القشريات والرخويات، إلى جانب المواد النباتية والطحالب. كما تفترس بعض تجمعاتها حلزون "لمنطقة المد والجزر"، وهو نوع قد يؤثر في نمو نباتات المستنقعات، ولذلك توصف هذه السلاحف في بعض مناطق انتشارها بأنها من الأنواع المحورية التي تؤدي وظيفة مهمة داخل النظام البيئي.
تهديدات البرية تحاصر النوع من أكثر من جهة
غير أن هذا الدور البيئي لا يعزلها عن أخطار مستمرة في البرية، وهي أخطار لا ترتبط بالحالات الخلقية النادرة وحدها. ويأتي الغرق داخل مصائد السرطان الأزرق التجارية ضمن أبرز التهديدات، إذ تجذب الطعوم الموجودة داخلها السلاحف.
كذلك يضغط التوسع العمراني الساحلي وتلوث المياه على موائلها الطبيعية، بينما تواجه الإناث خطرًا إضافيًا عند عبور الطرق، إذ تُقتل بعض الحيوانات أثناء تنقلها بحثًا عن مواقع مناسبة لوضع البيض. وقد يضيف ارتفاع مستوى سطح البحر الناتج عن تغير المناخ ضغطًا آخر على مواقع التعشيش المتاحة.
رأسان وجسد واحد.. اختبار مبكر للبقاء
وسط هذه التحديات، تبدو السلحفاة الجديدة كائنًا صغيرًا يحتاج إلى رعاية مكثفة، وفي الوقت نفسه تمنح الباحثين فرصة نادرة لفهم حالة لا تتكرر كثيرًا.
وتزداد أهمية هذه الفرصة لأن ثنائية الرأس قد تجعل الحصول على الغذاء أكثر صعوبة، وهي مشكلة ظهرت لدى حيوانات أخرى أيضًا، من بينها أبو بريص متوج برأسين فقس في يونيو ثم نفق في أغسطس بعد معاناة في تناول الطعام.
لذلك تترك هذه السلحفاة الصغيرة سؤالًا يتجاوز غرابة مظهرها، وهو ما إذا كان جسد واحد برأسين سيتمكن من الاستمرار في الحياة والنمو، أم ستفرض الطبيعة حدودها مبكرًا على هذا الكائن الصغير.




