لا يرتبط إعداد كوب مثالي من الإسبريسو بدرجة تحميص حبوب البن فحسب، بل يرتكز في جوهره على عملية الترشيح (التخلل).
وفي تطور علمي جديد، نجح فريق من الباحثين في صياغة معادلة رياضية تدعم هذه الرؤية وتبرز كيف يمكن للقوانين الفيزيائية أن تحكم جودة المشروب اليومي.
تُظهر الدراسة أن الفيزياء المستخدمة لشرح كيفية تدفق فقاعات الغازات عبر البراكين أو كيفية تدفق المياه والزيوت عبر القشرة الأرضية، يمكنها أيضًا المساعدة في تحديد كمية الترشيح المثالي للماء الساخن عبر البن المطحون، بحسب مجلة "الجمعية الملكية للعلوم المفتوحة".
تبدأ هذه العملية الفيزيائية بالبن المطحون الذي يتم كبسه وضغطه في وعاء خاص ليشكّل كتلة مدمجة تُعرف بـ"قرص القهوة"، ومن خلال هذه الكتلة يتدفق الماء الساخن المضغوط ليستخلص النكهات والمرارة والكافيين.
آلية التحضير
ولصناعة إسبريسو عالي الجودة يجب التحكم في عاملين رئيسيين؛ أولهما هو ضمان تناسق قرص القهوة وتوزيع البن المطحون بالتساوي مع إزالة التكتلات وكبسه بشكل موحد، لتجنب حدوث تدفق للماء في منطقة معينة من القرص أكثر من غيرها، مما يضمن انتشار الماء عبر جميع الجزيئات واستخلاص أكبر قدر ممكن من النكهة الكامنة.
أما العامل الثاني فيتمثل في التحكم في الوقت الذي يستغرقه الماء للمرور عبر القهوة، حيث ترتبط هذه المدة بكثافة كبس القرص، فكلما زاد الكبس طالت مدة تلامس الماء مع الجزيئات، وهو ما يؤدي إلى مرارة المذاق إذا زاد عن الحد، في حين أن التلامس القليل جدًا يحول دون استخلاص النكهة أو الكافيين بشكل كافٍ.
اعتمد الباحثون في تطوير هذه المعادلة على فرضية أساسية، وهي أن جزيئات القهوة مُوزّعة بالتساوي ومكبوسة بضغط موحد عبر كامل القرص، مما يتيح للنموذج الرياضي حساب سرعة تدفق الماء بدقة.
وللتحقق من صحة هذه المعادلة تجريبيًا، فحص الفريق نوعين من البن؛ وطُحن كل منهما بـ 11 طريقة مختلفة لإنتاج 22 عينة اختبار، ثم استعانوا ببرنامج متطور مكّنهم من رسم خريطة دقيقة توضح مسار حركة السائل وتدفقه عبر تلك العينات.
تأثير النفاذية
وأثبتت النتائج أن معادلة الإسبريسو تعمل بذات الكفاءة والوضوح في وصف الترشيح عبر البن المطحون، تمامًا كما تصف المعادلات الفيزيائية الأخرى حركة الغاز عبر الصهارة أو حركة الماء عبر الحجر الرملي.
كما ساهمت هذه النتائج في توضيح التأثير الكبير لعوامل مثل حجم الحبيبات على المذاق من خلال النفاذية (قدرة المادة على السماح للسوائل أو الغازات بالمرور من خلالها)، فكلما زاد حجم الحبيبات زادت النفاذية بمقدار 4 أضعاف.
وقد أشاد خبير علوم القهوة في جامعة زيورخ للعلوم التطبيقية، سامو سمركي، بهذه النتائج مؤكدًا أن تسخير الرؤى المستمدة من علم البراكين لصالح أبحاث القهوة أمر مثير حقًا ويبرز كيف يمكن للمناهج المطورة في مجال علمي معين أن تفتح آفاقًا جديدة في مجال آخر.
كما يعد هذا النموذج الرياضي أداة تطبيقية مفيدة لمعدّي القهوة المحترفين (الباريستا) الذين يمتلكون آلات متطورة لقياس الضغط والتدفق، حيث يسهل عليهم فهمه واستيعابه رغم اختلاف مصطلحاتهم اليومية.











