هل يمكن للمعدن أن يطفو؟.. لسنوات طويلة، بدا هذا السؤال وكأنه يتحدى أبسط قوانين الفيزياء؛ فالمعدن يغرق دائمًا، لكن فريقًا من المهندسين والعلماء قرروا إعادة كتابة هذه القاعدة، ليقتربوا أكثر من حلمٍ راود البشرية منذ أكثر من قرن: سفن لا تغرق.
بعد أكثر من 100 عام على كارثة غرق سفينة "تيتانيك" التي كشفت هشاشة أعظم السفن أمام البحر، لا يزال السعي مستمرًا نحو وسائل تجعل الإبحار أكثر أمانًا، حتى أعلن باحثون من معهد البصريات بجامعة روتشستر، عن خطوة علمية قد تغيّر مستقبل الملاحة البحرية، من خلال ابتكار أنابيب معدنية لا تغرق مهما طال غمرها بالماء أو تعرّضت للتلف.
الفكرة في سطح المعدن
قاد هذا البحث الرائد البروفيسور تشونلاي قوه، أستاذ البصريات والفيزياء، الذي أدار فريقًا متخصصًا في ابتكار حلول متقدمة للمواد. ركّز الفريق جهوده على تطوير طريقة ذكية وفريدة لمعالجة أنابيب الألمنيوم من الداخل، بطريقة مبتكرة لا تعتمد على إضافة مواد جديدة أو تغيير تركيب المعدن نفسه. بل اعتمدوا على تقنية دقيقة للغاية، تقوم بحفر تجاويف على مستويات ميكروسكوبية ونانومترية داخل السطح الداخلي للأنبوب.
رغم أن هذه التعديلات تبدو بسيطة من الوهلة الأولى، إلا أن أثرها كان مذهلًا. فقد تحوّل السطح الداخلي للألمنيوم إلى ما يُعرف بالسطح فائق الطرد للماء، وهو نوع من الأسطح يمتلك قدرة استثنائية على رفض الماء؛ فلا يسمح له بالالتصاق أو التغلغل، مما يفتح آفاقًا واسعة لتطبيقات عملية مذهلة في الصناعات المختلفة، من الحماية ضد التآكل إلى تحسين كفاءة تدفق السوائل وتقليل الاحتكاك.
هواء محبوس.. سفن لا تغرق
عندما يُغمر الأنبوب المعالج بالماء، يحدث أمر مذهل: الماء لا يتغلغل إلى داخله كما هو المعتاد، بل يبقى الهواء محبوسًا في الداخل، مكوّنًا طبقة مستقرة تشبه وسادة واقية تمنع امتلاء الأنبوب أو غرقه. هذه الجيب الهوائي الداخلي ليس مؤقتًا؛ فهو لا يختفي مع مرور الوقت، ولا يتأثر بالضغط، ولا بالخدوش، وحتى الثقوب الكبيرة لا تقلل من فعاليته، ما يمنح الأنبوب قدرة على الطفو في أقسى الظروف وأكثرها تحديًا.
ولتعزيز ثبات هذه الفقاعة الحيوية، قام الباحثون بإضافة حاجز داخلي في منتصف الأنبوب، يعمل كحاجز ذكي يحافظ على الهواء محصورًا داخل الجيب، حتى عند دفع الأنبوب عموديًا تحت الماء. هذه الإضافة الصغيرة تجعل الأنبوب مقاومًا للماء بطريقة استثنائية، مما يفتح آفاقًا واسعة لتطبيقات مستقبلية تتطلب الطفو والحماية المائية بأعلى كفاءة ممكنة.
عندما تُلهمنا الطبيعة
هذا الابتكار ليس بعيدًا عن عالم الطبيعة؛ فالعلماء استلهموا فكرتهم من كائنات صغيرة ذات حيل كبيرة، أولها عنكبوت جرس الغوص الذي يحمل فقاعة هواء معه ليستطيع العيش تحت الماء، بالإضافة إلى النمل الناري الذي يتشابك ليكوّن طوافات حيّة تطفو فوق مياه الفيضانات.
هذه الاستراتيجية الطبيعية ألهمت الباحثين في تطوير الأنبوب الفائق الطرد للماء، حيث يحاكي الطريقة التي تحتفظ بها بعض الكائنات بالهواء وتستخدمه للطوفية والاستقرار على الماء، وهو الطريق المثالي لصناعة سفن لا تغرق.
ولم يكتفِ الفريق بالتجربة النظرية، بل خضعت الأنابيب لاختبارات مكثفة في بيئات مائية قاسية، استمرت لأسابيع متواصلة، دون أي تراجع في قدرتها على الطفو. والأكثر إثارة أن الأنابيب احتفظت بخاصية الطفو حتى بعد إحداث ثقوب كبيرة وكثيرة فيها، مما يثبت أن الهواء يبقى محبوسًا بشكل فعال مهما كان الضرر، وأن الطفو لا يعتمد على سلامة المعدن وحده بل على التصميم الداخلي السحري.
من أنبوب واحد إلى منصات المستقبل
وعند ربط عدة أنابيب معًا، يمكن تكوين طوافات أو منصات عائمة مستقرة، والتي يمكن أن تكون الأساس للسفن والعوامات والمنصات البحرية المستقبلية. وقد اختبر الباحثون أنابيب بأطوال مختلفة، وصلت تقريبًا إلى نصف متر، مؤكدين أن الفكرة قابلة للتوسع لدعم الأوزان الكبيرة المطلوبة في التطبيقات الواقعية، بما يجعل هذه التقنية مناسبة للاستخدام العملي على نطاق واسع.
لم يتوقف طموح الفريق عند حدود الطفو فحسب، بل امتد إلى استكشاف إمكانية استخدام هذه المنصات العائمة لالتقاط طاقة أمواج المحيطات وتحويلها إلى كهرباء. هذه الإمكانية تفتح بابًا أمام حلول مبتكرة تجمع بين السلامة البحرية والاستدامة البيئية، حيث يمكن استخدام الهياكل العائمة كوسيلة لتوليد الطاقة المتجددة مع ضمان المتانة والاستقرار.














