يمثل إعلان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب سيطرته على أكبر احتياطيات نفطية في العالم، عقب اعتقال الرئيس نيكولاس مادورو، زلزالًا اقتصاديًا وبيئيًا تتجاوز ارتداداته حدود أمريكا اللاتينية.
وتوضح التقارير العلمية أن النفط الفنزويلي، الذي يقبع تحت تراب بلاد تعاني من بنية تحتية متهالكة، ليس مجرد ثروة ضخمة تتجاوز 300 مليار برميل، بل هو أحد أكثر أنواع الوقود الأحفوري تلويثًا للبيئة على وجه الأرض، مما يضع طموحات واشنطن في مواجهة مباشرة مع التزامات المناخ الدولية.
وتثير هذه الخطوة مخاوف خبراء البيئة الذين يحذرون من أن إعادة إحياء إنتاج النفط الفنزويلي بمستويات ضخمة سيؤدي إلى انبعاثات كربونية كارثية، نظرًا لطبيعته الكيميائية "القذرة".
وفي هذا السياق، يتصادم حماس ترامب لإطلاق العنان لشركات الطاقة الأمريكية في حزام "أورينوكو" مع الحقائق الفيزيائية التي تؤكد أن استخراج هذا الخام يتطلب طاقة هائلة ومخاطر بيئية لا يمكن احتواؤها بسهولة، مما يهدد بانتكاسة عالمية في الجهود الرامية للتحول نحو الطاقة النظيفة.
الطبيعة الكيميائية التي تميز النفط الفنزويلي
يؤكد خبراء الطاقة في معهد "كربون تراكير" أن النفط الفنزويلي يُصنف كخام "ثقيل حامض"، وهو ما يجعله يشبه الرمال النفطية الكندية من حيث اللزوجة العالية والكثافة.
وتكشف التحليلات أن هذا النوع من الخام يحتوي على تركيزات كربونية وكبريتية أعلى بكثير من النفط الخفيف، مما يعني أن عمليات استخراجه وتكريره تطلق كميات مضاعفة من الغازات المسببة للاحتباس الحراري، وهو ما يجعل من التوسع في إنتاجه تهديدًا مباشرًا لاستقرار المناخ العالمي.
وتتطلب عملية استخراج النفط الفنزويلي تقنيات معقدة ومكلفة، إذ لا يتدفق الخام من الآبار كسائل طبيعي، بل يحتاج إلى تسخين مستمر عن طريق ضخ كميات هائلة من البخار في المستودعات الجوفية.
ويؤدي هذا الاعتماد الكثيف على الغاز الطبيعي لتوليد الطاقة اللازمة للتسخين إلى زيادة البصمة الكربونية لكل برميل يتم إنتاجه، مما يجعل تكلفة حماية البيئة في هذه الحقول تفوق أي فوائد اقتصادية قد تجنيها شركات النفط الكبرى في الأمد القريب.
مخاطر تسرب النفط الفنزويلي
تعاني فنزويلا من تهالك شديد في شبكات الأنابيب ومنشآت التكرير نتيجة سنوات من نقص الاستثمار، مما يرفع احتمالات حدوث تسربات نفطية كارثية وحوادث بيئية متكررة.
وتشير بيانات "المرصد الفنزويلي للحقوق البيئية" إلى تسجيل مئات التسربات التي لم يتم الإعلان عنها رسميًا منذ عام 2016، مما أدى لتلوث واسع في التربة والمياه الجوفية، وهو واقع مرشح للتفاقم في حال ضخ استثمارات جديدة دون إصلاح شامل وجذري للمنظومة المتهالكة التي تديرها شركة النفط الوطنية.
وتمثل انبعاثات الميثان الناتجة عن عمليات حرق الغاز الزائد في الحقول الفنزويلية أزمة مناخية مضاعفة، حيث تشير وكالة الطاقة الدولية أن شدة انبعاثات الميثان هناك تبلغ ستة أضعاف المتوسط العالمي.
ويعد غاز الميثان أخطر من ثاني أكسيد الكربون بثمانين مرة من حيث قدرته على تسخين الكوكب في الأمد القصير، مما يجعل من إعادة تأهيل حقول النفط الفنزويلي مهمة مستحيلة تقريبًا دون إحداث أضرار بيئية لا يمكن إصلاحها، حتى مع تدخل الخبرات التقنية الأمريكية.
شكوك حول الجدوى الاقتصادية
يشكك محللو الأسواق في "ريستاد إنرجي" في الجدوى الاقتصادية لمشروع ترامب، مؤكدين أن إيصال الإنتاج إلى مستوياته السابقة يتطلب استثمارات فلكية تتجاوز 183 مليار دولار خلال العقد القادم.
وفي ظل عالم يشهد انخفاضًا في أسعار الخام وتوجهًا متزايدًا نحو السيارات الكهربائية والطاقة البديلة، تبدو فكرة ضخ هذه المليارات في النفط الفنزويلي عالي التكلفة وعالي الانبعاثات مقامرة غير منطقية لا تتماشى مع واقع السوق العالمي المتغير.
وتوضح التقارير المالية أن انخفاض الطلب العالمي طويل الأمد يجعل من الصعب تبرير استخراج خامات ثقيلة تتطلب عمليات تكرير متخصصة ومكلفة في مصافٍ نادرة حول العالم.
وبناءً على ذلك، يرى الخبراء أن طموحات ترامب في تحويل فنزويلا إلى "خزان وقود" جديد لأمريكا قد تصطدم بحائط الصد الاقتصادي قبل البيئي، حيث لن تجد هذه الاستثمارات الضخمة عائدًا مجزيًا في ظل المنافسة الشرسة من الخامات الأقل تكلفة والأكثر نظافة المتوفرة في مناطق أخرى.
الآثار غير المباشرة لتداول النفط الفنزويلي
يرى الباحثون في جامعة كولومبيا الأمريكية أن الأثر المناخي الأخطر للاستيلاء الأمريكي على هذه الثروات يكمن في تعطيل التحول العالمي نحو الطاقة النظيفة وإحياء عقلية الصراعات على الموارد التي ميزت القرن العشرين.
ويؤدي التركيز على إغراق الأسواق بالنفط الفنزويلي إلى إضعاف الحوافز الموجهة للاستثمار في التقنيات الخضراء، ويخلق حالة من عدم الاستقرار الجيوسياسي تعيق التنسيق الدولي لمواجهة أزمة المناخ، وهو ما قد يكون الضرر الأكبر الذي يلحق بالكوكب جراء التدخل العسكري الأخير.
وتعزز هذه التوجهات من مخاوف الدول الأوروبية والمنظمات البيئية التي ترى في السيطرة الأمريكية القسرية على موارد فنزويلا خرقًا لكل المعاهدات المناخية الموقعة في باريس وغيرها.
وفي الوقت الذي يحاول فيه العالم تقليل الاعتماد على الكربون، يفتح ترامب جبهة جديدة للوقود الأحفوري الأكثر تلويثًا، مما يضع الولايات المتحدة في عزلة بيئية قد تؤدي لفرض رسوم كربونية دولية على إنتاجها المستقبلي، مما يزيد من تعقيد المشهد السياسي والاقتصادي للجزيرة القطبية وللمستعمرة النفطية الجديدة في الكاريبي.














