لا تحسم الانتخابات الإسرائيلية هوية رئيس الحكومة بمجرد إعلان الحزب الفائز بأكبر عدد من المقاعد؛ فالحكم يتوقف على معركة أخرى داخل الكنيست، حيث تتفاوض الأحزاب على تشكيل ائتلاف يحظى بثقة 61 عضوًا على الأقل من أصل 120.

ومع تقارب النتائج بين معسكري بنيامين نتنياهو ومنافسه غادي آيزنكوت في انتخابات 27 أكتوبر 2026، تتجه الأنظار إلى الأحزاب العربية التي يمكن أن ترجح كفة المعارضة، وإلى قدرة كل معسكر على تحويل المقاعد إلى اتفاق سياسي قابل للاستمرار.

وأظهرت النتائج الجزئية، مع فرز نحو 84% من الأصوات صباح الأربعاء 28 أكتوبر، حصول معسكر نتنياهو على 54 مقعدًا، مقابل 49 مقعدًا لائتلاف التغيير الذي يقوده آيزنكوت، فيما بلغت حصة الأحزاب العربية 17 مقعدًا، وفق "التغطية الحية لصحيفة «الجارديان»". وبذلك، لا يملك أي من المعسكرين أغلبية منفردة، فيما يتوقف الوصول إلى عتبة الحكم على تفاهمات لم تُحسم بعد.

نظام الانتخاب في إسرائيل

يعتمد النظام الانتخابي الإسرائيلي على التمثيل النسبي، إذ تتنافس القوائم الحزبية على مقاعد الكنيست، ثم تتفاوض الأحزاب الفائزة على تشكيل الحكومة. ولا ينتخب المواطنون رئيس الحكومة مباشرة، كما لا يكفي أن يحصل حزب على العدد الأكبر من المقاعد كي يتولى زعيمه المنصب تلقائيًا.

وتوضح "النتائج الجزئية التي أوردتها «الجارديان»" أن حزب الليكود بزعامة نتنياهو حصل على 27 مقعدًا، مقابل 20 مقعدًا لحزب «يَشَر!» بزعامة آيزنكوت. لكن الفارق بين الحزبين لا يحدد وحده هوية الحكومة المقبلة؛ إذ تتشكل الأغلبية من مجموع مقاعد الأحزاب التي توافق على دعم ائتلاف واحد.

ويحتاج أي ائتلاف إلى 61 مقعدًا على الأقل لنيل ثقة الكنيست. ووفق الأرقام الجزئية نفسها، فإن معسكر نتنياهو يحتاج إلى سبعة مقاعد إضافية للوصول إلى الأغلبية، بينما يحتاج معسكر التغيير إلى 12 مقعدًا إذا حاول تشكيل حكومة من دون دعم الأحزاب العربية. وإذا احتُسبت مقاعد الأحزاب العربية ضمن جبهة برلمانية واحدة مع معسكر التغيير، يصبح مجموعها 66 مقعدًا، لكن هذا الحساب لا يعني أن اتفاقًا سياسيًا بينها قد تحقق.

وتكتسب هذه الفروق أهمية في نظام اعتادت فيه الأحزاب الإسرائيلية تشكيل حكومات ائتلافية، إذ لم يتمكن حزب منفرد من حصد أغلبية مطلقة في تاريخ الانتخابات البرلمانية الإسرائيلية.

الرئيس يكلّف.. والكنيست يمنح الثقة

بعد نشر النتائج الرسمية، تبدأ الإجراءات الدستورية لتشكيل الحكومة. وتنص المادة السابعة من قانون أساس: الحكومة على أن رئيس الدولة يكلّف أحد أعضاء الكنيست بتشكيل الحكومة، بعد التشاور مع ممثلي الكتل البرلمانية، على أن يتم التكليف خلال سبعة أيام من نشر نتائج الانتخابات. ويعرض "دليل الكنيست الرسمي لتشكيل الحكومة"، هذه الخطوة باعتبارها بداية المسار الدستوري الذي يلي الانتخابات.

القانون في إسرائيل لا يفرض تكليف زعيم الحزب الحاصل على أكبر عدد من المقاعد في جميع الحالات؛ إذ يدور الاختيار حول عضو الكنيست الذي يرى الرئيس أن لديه فرصة لتشكيل حكومة. وتُعد مواقف الكتل خلال المشاورات مؤشرًا مهمًا إلى فرص المرشحين في جمع الدعم البرلماني، لكنها لا تعفي أي مرشح من التفاوض على اتفاقات فعلية.

وبموجب المادة الثامنة من القانون، يحصل العضو المكلف على 28 يومًا لتشكيل الحكومة، ويجوز للرئيس تمديد المهلة لفترات إضافية لا يتجاوز مجموعها 14 يومًا. وإذا أخفق المرشح في المهمة، أو أعلن عجزه عن إتمامها، أو رفض الكنيست منح الثقة للحكومة التي عرضها، ينتقل المسار إلى الخيارات المنصوص عليها في المادة التاسعة، التي تتيح تكليف عضو آخر من الكنيست، وفق الشروط والمواعيد المحددة فيها. ويمكن مراجعة النص في "النسخة الرسمية الإنجليزية لقانون أساس الحكومة على موقع الكنيست".

ولا تصبح الحكومة قائمة بمجرد الاتفاق بين الأحزاب على توزيع الحقائب الوزارية؛ إذ تنص المادة 13 على أن يعرض رئيس الحكومة المكلف تشكيلتها وخطوط سياستها وتوزيع المسؤوليات بين الوزراء أمام الكنيست، ثم يطلب ثقتها. وبعد حصول الحكومة على الثقة، يتولى رئيسها والوزراء مهامهم، فيما تستمر الحكومة القائمة في أداء وظائفها إلى حين تشكيل حكومة جديدة، وفق "دليل الكنيست".

الأحزاب العربية في قلب الحسابات

تمنح النتائج الأحزاب العربية موقعًا مؤثرًا في المفاوضات، بعدما ارتفع تمثيلها في الكنيست وفق الفرز الجزئي. ويشير تقرير "وكالة الصحافة الفرنسية في 28 أكتوبر" إلى أن هذه الأحزاب حققت مكاسب كبيرة، في انتخابات شهدت مشاركة مرتفعة، وسط حملة من نتنياهو وحلفائه حذرت من تأثير تصويت المواطنين العرب.

لكن جمع المقاعد حسابيًا لا يحل الخلافات السياسية. فقد تعهد آيزنكوت خلال الحملة الانتخابية بعدم تشكيل حكومة تعتمد على نواب عرب، بينما أعلن نتنياهو رفضه حكومة تستند إلى دعمهم. وتضع هذه المواقف معسكر التغيير أمام مفاضلة بين التفاوض مع الأحزاب العربية، أو البحث عن شراكات أخرى، أو مواجهة احتمال تعثر تشكيل الحكومة.

وتوضح "تغطية وكالة الصحافة الفرنسية"، أن منصور عباس، زعيم القائمة العربية الموحدة «رعَم»، أبدى انفتاحًا على العمل مع آيزنكوت. لكن التفاوض لا يقتصر على موقف عباس؛ إذ يضم التمثيل العربي أيضًا «القائمة المشتركة»، التي حققت تقدمًا ملحوظًا في النتائج الجزئية، وتختلف حسابات التعاون معها عن حسابات التعاون مع «رعَم».

وتتعلق المسألة كذلك بشكل الدعم المطلوب. فقد تشارك أحزاب في الائتلاف الحكومي وتتولى حقائب وزارية، أو تقدم دعمًا برلمانيًا لحكومة أقلية من دون الانضمام إليها. ويظل الخيار الثاني أحد المسارات الممكنة نظريًا، لكنه يتطلب تفاهمات تضمن للحكومة القدرة على تمرير التصويتات الأساسية، وفي مقدمتها نيل الثقة، ثم التعامل مع التشريعات والموازنة.

الحقائب الوزارية قد تعقّد الطريق

لا تنتهي المفاوضات عند جمع 61 مقعدًا؛ إذ تتعلق المرحلة التالية بتوزيع الوزارات والاتفاق على أولويات الحكومة والتزاماتها. وقد يربط حزب صغير مشاركته بالحصول على وزارة بعينها، أو بتعهدات في قضايا الدين والتعليم والاستيطان والأمن، ما يمنحه قدرة تفاوضية أكبر من حجمه العددي.

وتظهر هذه الحسابات داخل معسكر نتنياهو، الذي يضم أحزابًا دينية وقومية متشددة، بينها «عوتسما يهوديت» بزعامة إيتمار بن غفير و«الصهيونية الدينية» بزعامة بتسلئيل سموتريتش. وتشير النتائج الجزئية التي نقلتها "الجارديان" إلى تراجع تمثيل حلفاء نتنياهو من اليمين المتشدد مقارنة بالتوقعات السابقة، وهو ما يحد من سهولة جمع أغلبية مستقرة من دون توسيع دائرة التفاهمات.

وفي معسكر التغيير، لا يقتصر التحدي على الأحزاب العربية؛ إذ يضم الائتلاف أحزابًا يهودية تختلف في مواقفها، وقد لا تتفق على شكل الحكومة أو حدود التعاون مع القوى العربية. كما أن تشكيل حكومة وحدة وطنية تضم نتنياهو وآيزنكوت يواجه اعتراضات من أطراف داخل المعسكرين، وفق "تقرير وكالة الصحافة الفرنسية".

سابقة 2021.. كيف خسر نتنياهو الحكم؟

تقدم تجربة عام 2021 مثالًا على أن تشكيل الحكومة لا يتوقف على تصدر حزب واحد للانتخابات، ففي يونيو من ذلك العام، صوّت الكنيست لمصلحة حكومة نفتالي بينيت ويائير لابيد، منهيةً فترة نتنياهو المتواصلة في رئاسة الحكومة. وجمعت الحكومة أحزابًا من اتجاهات سياسية متعددة، بينها أحزاب يمينية ووسطية ويسارية، إلى جانب القائمة العربية الموحدة.

ووفق "تقرير رويترز المنشور في 13 يونيو 2021" نالت الحكومة ثقة الكنيست بأغلبية ضيقة، بعد مفاوضات ائتلافية مكثفة، ولم يكن الاتفاق دليلًا على زوال الخلافات بين مكوناتها، بل على قدرتها في تلك اللحظة على الاتفاق على بديل حكومي.

وتوضح التجربة أيضًا أن الحصول على الثقة لا يضمن استمرار الحكومة حتى نهاية ولايتها؛ فالتباينات بين الشركاء قد تؤدي إلى انسحاب أحزاب أو فقدان الأغلبية، بما يفتح الباب أمام أزمة سياسية جديدة أو انتخابات مبكرة.