يطرح غادي آيزنكوت، رئيس الأركان الإسرائيلي السابق ومؤسس حزب «ياشار»، نفسه منافسًا لبنيامين نتنياهو في الانتخابات الإسرائيلية، مستندًا إلى خبرته العسكرية وصورته المختلفة عن رئيس الوزراء وحلفائه من اليمين المتطرف. وأظهرت استطلاعات رأي أوردتها وكالة «رويترز» تقدم حزبه على حزب «الليكود» بزعامة نتنياهو، لكن الانقسامات السياسية في إسرائيل تجعل تشكيل الحكومة المقبلة غير مضمون لأي منهما.

ورغم تقديم نفسه بديلًا عن قيادة نتنياهو وشركائه في اليمين المتطرف، لا يطرح آيزنكوت تحولًا في المواقف الأمنية الإسرائيلية المتشددة؛ فهو يعارض إقامة دولة فلسطينية، ويتمسك بضرورة تدمير القدرات العسكرية لحركة حماس أو تفكيكها، ويعد منع إيران من امتلاك قدرة نووية عسكرية أولوية للحكومة المقبلة.

41 عامًا في الجيش الإسرائيلي

خدم آيزنكوت في الجيش الإسرائيلي 41 عامًا، وتدرج في المناصب العسكرية حتى تولى رئاسة الأركان بين عامي 2015 و2019. وخلال مسيرته، قاد قوات في الضفة الغربية خلال الانتفاضة الثانية، وشارك في العمليات العسكرية الإسرائيلية خلال حرب عام 2006 ضد حزب الله في لبنان.

ويرتبط اسمه بما يُعرف بـ«عقيدة الضاحية»، وهي استراتيجية ردع تقوم على استخدام قوة تدميرية واسعة ضد الجماعات المسلحة، تشمل البنية التحتية المدنية في المناطق التي تعمل فيها. واستخدم آيزنكوت هذه الاستراتيجية خلال حرب لبنان عام 2006، وفق تقرير «رويترز»، فيما قال منسق الأمم المتحدة للإغاثة الطارئة آنذاك إن القصف الإسرائيلي للضاحية الجنوبية لبيروت خالف القانون الإنساني.

ويستند آيزنكوت إلى خبرته العسكرية في تقديم نفسه كشخصية أمنية ذات سجل طويل في المؤسسة العسكرية الإسرائيلية. وتصفه «رويترز» بأنه قليل الظهور الإعلامي، وأقل خبرة في العمل السياسي من نتنياهو، وأسلوبه العام أكثر تحفظًا من أسلوب رئيس الوزراء المعروف بحضوره الإعلامي الصدامي.

خسائر عائلية خلال حرب غزة

ارتبط حضور آيزنكوت السياسي أيضًا بالخسائر التي تعرضت لها عائلته خلال الحرب على غزة، إذ قُتل ابنه واثنان من أبناء أشقائه أثناء القتال.

ونقلت «رويترز» عن إيتان شامير، مدير مركز بيغن-السادات للدراسات الاستراتيجية في جامعة بار إيلان، وصفه آيزنكوت بأنه شخصية قريبة من الناس، لا تبدو سياسيًا تقليديًا، ويمكن للجمهور أن يتماهى معها.

وتشكل هذه الصورة أحد الفوارق بينه وبين نتنياهو، إلى جانب خلافه مع رئيس الوزراء بشأن القيادة وإدارة الحرب والشراكة مع أحزاب اليمين المتطرف.

خلاف مع نتنياهو بشأن إدارة الحرب

انضم آيزنكوت إلى مجلس الحرب الإسرائيلي الذي تشكل بعد هجمات 7 أكتوبر 2023، بصفة مراقب، لكنه غادره بعد ثمانية أشهر منتقدًا قيادة نتنياهو.

وقال في مقابلة مع القناة السابعة الإسرائيلية إنه أيد هدف تدمير القدرات العسكرية والحكومية لحماس، وإن الحكومة قررت تحقيق ذلك خلال عام، لكن أكثر من ثلاثة أعوام مرت دون تحقيق الهدف، منتقدًا إعلان نتنياهو السعي إلى «النصر الكامل».

وبحسب التقرير، اعتبر آيزنكوت أن تحرير الرهائن كان هدف الحرب الوحيد الذي تحقق، مع تأكيده مجددًا ضرورة القضاء على القوة العسكرية لحماس أو تفكيك جناحها العسكري بوصفه الهدف الذي ينبغي أن تنتهي إليه الحرب.

وتناول التقرير أيضًا خطة السلام التي أعلنها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، والتي أدت إلى وقف إطلاق النار وإطلاق سراح الرهائن المتبقين الذين أُخذوا خلال هجمات 2023، لكن أهداف الخطة الأوسع، المتعلقة بنزع سلاح حماس وترتيبات الحكم الفلسطيني في غزة تحت إشراف دولي والانسحاب الإسرائيلي، لم تكن قد تحققت وفق التقرير.

يعارض إقامة دولة فلسطينية

في الملف الفلسطيني، يتخذ آيزنكوت موقفًا رافضًا لإقامة دولة فلسطينية، إذ وصف صيغة «دولتين لشعبين» بأنها خطأ. وقال إن إسرائيل يجب أن تحتفظ بمسؤولية أمنية مهيمنة في المنطقة الواقعة بين نهر الأردن والبحر المتوسط، وألا توجد قوة عسكرية أجنبية في هذه المنطقة.

كما يؤيد إقامة المستوطنات الإسرائيلية في الضفة الغربية المحتلة، لكنه يقول إن التوسع الاستيطاني ينبغي أن يخدم المصالح الوطنية الإسرائيلية وأن يكون «قانونيًا»، وفق ما نقلته «رويترز» عن مقابلته مع القناة السابعة، وأشار التقرير إلى أن هذا الموقف قد يعكس معارضته للبؤر الاستيطانية التي تُقام من دون موافقة دولة الاحتلال.

وفي المقابل، انتقد عنف المستوطنين ضد الفلسطينيين، الذي تصاعد منذ عام 2023، كما عارض خطط حكومة نتنياهو لبناء وحدات استيطانية في منطقة «E1» بالضفة الغربية، وهي خطط أثارت اعتراضات غربية بسبب مخاوف من أن تؤدي إلى فصل أجزاء من الضفة وتجعل إقامة دولة فلسطينية أكثر صعوبة.

إيران وشركاء نتنياهو في اليمين

يقول آيزنكوت إن الحكومة الإسرائيلية المقبلة يجب أن تمنع إيران من امتلاك قدرة نووية عسكرية، سواء باستخدام القوة أو عبر تسوية دبلوماسية بدعم أمريكي.

وفي الداخل الإسرائيلي، يعارض الشراكة مع حليفي نتنياهو من اليمين المتطرف، إيتمار بن غفير وبتسلئيل سموتريتش. ويشير تقرير «رويترز» إلى أن كليهما واجه عقوبات من بعض الدول الغربية على خلفية التحريض على العنف ضد الفلسطينيين.

وتوضح هذه المواقف طبيعة الاختلاف الذي يطرحه آيزنكوت عن نتنياهو: فهو يعارض شركاء رئيس الوزراء من اليمين المتطرف، وينتقد بعض سياسات الحكومة الاستيطانية، لكنه يتمسك في الوقت نفسه بمواقف متشددة تجاه الفلسطينيين.

جذور مغربية وحزب جديد

ينحدر آيزنكوت من عائلة مهاجرين مغاربة، وقد يصبح، إذا تولى رئاسة الحكومة، أول رئيس وزراء إسرائيلي من الطائفة المزراحية، التي تعود جذور أفرادها إلى الشرق الأوسط وشمال إفريقيا.

وتشير «رويترز» إلى أن هذه الطائفة تمثل قاعدة اجتماعية مهمة لنتنياهو، وأن أبناءها تعرضوا أحيانًا للتهميش في إسرائيل، ولا سيما خلال العقود الأولى من تأسيس دولة الاحتلال، حين هيمن اليهود الأشكيناز ذوو الأصول الأوروبية على مؤسساتها.

وأسس آيزنكوت حزبه «ياشار» عام 2025، وتعني الكلمة بالعبرية «مستقيم» أو «صريح»، وأظهرته استطلاعات الرأي التي استند إليها التقرير متقدمًا على حزب «الليكود»، لكن تصدر حزب ما للنتائج لا يضمن له تشكيل الحكومة في ظل النظام البرلماني الإسرائيلي وتعدد الأحزاب.

هل يستطيع تشكيل الحكومة؟

يواجه آيزنكوت تحديًا في بناء ائتلاف يضمن له الأغلبية البرلمانية؛ إذ أعلن أنه لن يتحالف مع الأحزاب التي تمثل المواطنين العرب في إسرائيل، قائلًا إن هذه الأحزاب لا تقبل مبادئه الأساسية، ومنها تدمير أعداء إسرائيل أو تفكيك قدراتهم.

وقد يؤدي هذا الموقف إلى تضييق الخيارات المتاحة أمامه لتشكيل حكومة، حتى إذا خرج حزبه من الانتخابات بوصفه الحزب الأكبر، وقال آيزنكوت إنه سيعمل على ضم مزيد من الأحزاب الصهيونية بهدف تشكيل حكومة واسعة تستند إلى التوافق.

وبذلك، لا يتوقف مسار آيزنكوت نحو رئاسة الحكومة على موقع حزبه في استطلاعات الرأي فحسب، بل يرتبط أيضًا بقدرته على بناء تحالفات برلمانية، في مشهد سياسي إسرائيلي منقسم.