تجنّد ميليشيا الحوثي الأطفال في اليمن عبر تحويل أنشطة تعليمية وثقافية واجتماعية إلى أدوات استقطاب وتعبئة للقُصّر. وتبدأ بعض مسارات التجنيد بأنشطة لا تحمل طابعًا عسكريًا ظاهرًا، لكنها قد تنتهي بالتدريب على استخدام الأسلحة أو الانتقال إلى معسكرات عسكرية. ووثّق فريق خبراء تابع للأمم المتحدة حالات أُبلغت فيها أسر بأن أطفالها نُقلوا إلى دورات ثقافية، قبل أن يتبين، وفق المعلومات التي أورَدها التقرير، أن بعضهم وصل إلى معسكرات تلقّوا فيها تدريبات عسكرية.
وفي 21 أكتوبر 2026، أعادت وزارة الدفاع اليمنية تسليط الضوء على هذه الممارسات، محذّرة من تجمعات تُقام في مناطق سيطرة الحوثيين تحت مسميات «النكف القبلي» و«الاحتشاد الجماهيري» و«الدورات الثقافية». واتهمت الوزارة الجماعة باستغلال هذه الأنشطة لاستقطاب الأطفال والشباب، وفق بيان نشرته وكالة الأنباء اليمنية «سبأ».
ويتقاطع هذا التحذير مع وقائع أوردتها تقارير أممية وحقوقية سابقة عن انتقال بعض الأطفال من أنشطة ثقافية ومدرسية إلى التدريب العسكري.
من الدورات الثقافية إلى المعسكرات
في تقريره الصادر عام 2022، تحت الوثيقة «S/2022/50»، تناول فريق الخبراء المعني باليمن حالات أطفال تتراوح أعمارهم بين 7 و15 عامًا، أُبعد بعضهم عن مقدمي الرعاية لهم بعد احتجاز أمهاتهم. وأُبلغ أقارب بعض الأطفال بأنهم نُقلوا إلى دورات ثقافية، بينما أشارت المعلومات التي أوردها الفريق إلى نقل طفلين إلى معسكر صيفي تلقيا فيه تدريبات عسكرية أساسية.
ولم تقتصر المعلومات التي تناولها التقرير على نقل الأطفال إلى المعسكرات، بل أشارت أيضًا إلى تدريبات على التعامل مع الأسلحة وحفر الأنفاق وزرع الألغام. وفي إحدى الحالات، وردت معلومات عن نقل طفل يبلغ 14 عامًا إلى معسكر عسكري بعد مشاركته في أنشطة ثقافية ضمن معسكر عام.
ومع ذلك، ميّز الفريق بين الحالات التي تناولها وبين الدورات الدينية والثقافية عمومًا، موضحًا أن محتوى هذه الدورات وطبيعتها يختلفان باختلاف المناطق والفئات المستهدفة. لذلك لا تكفي تسمية النشاط للحكم على دوره، بل ينبغي النظر إلى ما يتضمنه من ممارسات وما إذا كان يقود إلى التدريب العسكري أو التجنيد.
المدارس والضغوط المعيشية
وتظهر المدارس والفرق الكشفية في إفادات أخرى عن أساليب استقطاب الأطفال. ففي فبراير 2024، نشرت منظمة Human Rights Watch شهادات ناشطين يمنيين قالوا إن تجنيد الأطفال على يد الحوثيين ازداد بعد اندلاع الحرب في غزة في أكتوبر 2023، وإن بعض الأطفال الذين جرى تجنيدهم كانوا في سن 13 عامًا.
وبحسب الإفادات التي جمعتها المنظمة، نُقل بعض الطلاب من المدارس والفرق الكشفية إلى مراكز ثقافية لحضور محاضرات عما وصفته الجماعة بالجهاد، قبل انتقال بعضهم إلى معسكرات التدريب ثم إلى الجبهات. كما تحدث ناشطون عن تقديم رواتب وسلال غذائية لأسر بعضهم، في ظل الأوضاع الاقتصادية والإنسانية المتدهورة.
وتكشف هذه الشهادات تداخل أنشطة التعبئة مع الظروف المعيشية للأسر؛ إذ قد تصبح المساعدات المادية عامل جذب في بيئة تعاني الفقر وتراجع الخدمات.
وتشير البيانات الأممية إلى استمرار تجنيد الأطفال واستخدامهم في الحروب. فبحسب التقرير السنوي للأمين العام للأمم المتحدة عن الأطفال والنزاع المسلح لعام 2025، تحققت الأمم المتحدة من 262 حالة تجنيد واستخدام أطفال في اليمن خلال عام 2025.
وأورد التقرير أيضًا معلومات عن معسكرات صيفية نظمها الحوثيون، تعرّض خلالها أطفال لمحتوى وأنشطة عسكرية. لكن الأمم المتحدة حذرت من أن القيود المفروضة على الوصول إلى مناطق النزاع تحدّ من قدرتها على التحقق من الانتهاكات، ومن ثم لا تمثل الحالات الموثقة بالضرورة العدد الكامل للأطفال الذين جُنّدوا أو استُخدموا في النزاع.
ويحظر البروتوكول الاختياري لاتفاقية حقوق الطفل بشأن اشتراك الأطفال في النزاعات المسلحة، على الجماعات المسلحة غير التابعة للدول تجنيد من هم دون 18 عامًا أو استخدامهم في الأعمال العدائية.
خارج اليمن
في نيجيريا وحوض بحيرة تشاد، وثّقت الأمم المتحدة واليونيسف استخدام جماعة بوكو حرام للأطفال في الهجمات الانتحارية، في واحدة من أكثر صور استغلال القُصّر خطورة.
وفي بيان صدر في أبريل 2017، أعلنت اليونيسف أن عدد الأطفال المستخدمين في هجمات تفجيرية خلال الأشهر الثلاثة الأولى من ذلك العام بلغ 27 طفلًا، مقارنة بتسعة أطفال خلال الفترة نفسها من العام السابق.
وأشارت المنظمة إلى استخدام 117 طفلًا في هجمات تفجيرية في نيجيريا وتشاد والنيجر والكاميرون منذ عام 2014 وحتى صدور البيان، وكانت الفتيات يشكلن الغالبية العظمى منهم.
كما أوضح تقرير للأمم المتحدة عن الانتهاكات الجسيمة بحق الأطفال في نيجيريا، خلال الفترة من يناير 2013 إلى ديسمبر 2016، أن المنظمة تحققت من تجنيد واستخدام 1650 طفلًا على يد بوكو حرام.
وبيّن التقرير أن بعض الأطفال اختُطفوا، بينما انضم آخرون تحت تأثير الحوافز المالية أو ضغط الأقران أو الروابط الأسرية أو الدوافع الأيديولوجية.
ولا تتطابق هذه الحالة مع أساليب الاستقطاب الثقافي والاجتماعي الموثقة في اليمن؛ إذ تتخذ أشكال التجنيد في كل نزاع مسارات مختلفة. لكنها تؤكد أن الأطفال قد يُستغلون في أدوار تتجاوز القتال التقليدي، بما فيها تنفيذ هجمات تفجيرية.
وشددت اليونيسف على أن الأطفال المستخدمين في هذه الهجمات ضحايا للإكراه أو الخداع، وأن التعامل معهم يجب أن يركز على الحماية وإعادة التأهيل، لا على وصمهم أو معاقبتهم باعتبارهم مسؤولين عن الجرائم التي أُجبروا على المشاركة فيها.
حماية الأطفال تبدأ قبل وصولهم إلى المعسكرات
تختلف تجارب اليمن وسيراليون وأوغندا وكولومبيا وسريلانكا ونيبال ونيجيريا في طبيعة النزاعات وأساليب التجنيد، لكنها تكشف عن مشكلة مشتركة: استغلال الأطفال في الصراعات المسلحة، سواء عبر الاختطاف أو الإكراه أو الإغراءات المادية أو التأثير الأيديولوجي.
وفي الحالة اليمنية، تكتسب التحذيرات المتعلقة بالدورات الثقافية والتجمعات الاجتماعية أهمية خاصة عندما تقترن بأدلة على نقل الأطفال إلى معسكرات تدريب أو استخدام الأنشطة التعليمية للتعبئة العسكرية.
لكن التعامل مع الظاهرة يتطلب التمييز بين الأنشطة الثقافية والاجتماعية المشروعة، وبين الممارسات التي تتحول إلى أدوات للتجنيد أو التدريب العسكري، استنادًا إلى الأدلة المتاحة، لا إلى مسميات الأنشطة وحدها.
ويحظر القانون الدولي تجنيد الأطفال دون السن القانونية واستخدامهم في الأعمال العدائية، فيما ينص البروتوكول الاختياري لاتفاقية حقوق الطفل بشأن اشتراك الأطفال في النزاعات المسلحة على أنه لا يجوز للجماعات المسلحة غير التابعة للدول، تحت أي ظرف، تجنيد من هم دون 18 عامًا أو استخدامهم في الأعمال العدائية.
وتُظهر التجارب الدولية أن إنهاء الظاهرة لا يتحقق بالإفراج عن الأطفال وحدهم، بل يحتاج أيضًا إلى توفير التعليم والرعاية النفسية والاجتماعية، ودعم الأسر، ومحاسبة المسؤولين عن التجنيد، ومراقبة عودة الأطفال إلى مجتمعاتهم لمنع استغلالهم مجددًا، حسب البروتوكول الاختياري لاتفاقية حقوق الطفل بشأن اشتراك الأطفال في النزاعات المسلحة، الذي أشارت إليه هيومن رايتس ووتش في تقريرها عن اليمن.




