ماذا لو لم تعد الدول تحسب مكاسبها وخسائرها قبل أن تتحالف أو تتصالح أو تشتري النفط أو تعيد ترتيب شراكاتها الأمنية؟ كيف كانت ستبدو العلاقات الدولية لو لم تعد المصالح محركًا لقرارات الحكومات، حتى عندما تتعارض مواقفها أو تختلف أنظمتها السياسية؟.

لا حلفاء أو أعداء أبديون

في الأول من مارس 1848، قال وزير الخارجية البريطاني آنذاك Palmerston، أمام مجلس العموم إن بريطانيا ليس لديها حلفاء أبديون أو أعداء دائمون، وإن مصالحها هي التي يتعين عليها اتباعها.

وردت العبارة في "النص الأصلي لكلمته أمام البرلمان البريطاني"، خلال مناقشة السياسة الخارجية البريطانية.

وبعد قرن، وضع عالم السياسة Hans Morgenthau، المصلحة المحددة بمفاهيم القوة في قلب نظريته عن الواقعية السياسية، في كتابه السياسة بين الأمم، الصادر عام 1948. ورأى أن فهم السياسة الدولية يقتضي النظر إلى المصالح والقوة، مع إدراك أن معنى المصلحة يتغير بتغير الظروف. وفقًا "للمبادئ الستة للواقعية السياسية"، الواردة في طبعة الكتاب السابعة.

لكن ماذا لو غابت حسابات المصالح؟ هل تتوقف الدول عن التنافس، أم تتغير دوافعها إلى التعاون والصراع؟

تقدم محطات من العلاقات الدولية أمثلة على قرارات اتخذتها حكومات في ظل تغير حساباتها السياسية والاقتصادية والأمنية.

تقارب الخصوم في زمن الحرب الباردة

في فبراير 1972، زار الرئيس الأمريكي Richard Nixon الصين، بعد أكثر من عقدين من انعدام العلاقات الدبلوماسية والتجارية بين البلدين منذ تأسيس جمهورية الصين الشعبية عام 1949. وجاءت الزيارة في سياق الحرب الباردة، حين سعت واشنطن إلى تعزيز موقعها في مواجهة الاتحاد السوفيتي، بينما أرادت بكين الحد من التهديد السوفيتي وتحقيق توازن في علاقاتها الخارجية.

وفي 28 فبراير، أصدر الطرفان "بيان شنغهاي المشترك"، الذي أقر بوجود اختلافات جوهرية بين البلدين في نظاميهما الاجتماعيين وسياستيهما الخارجية، مع الاتفاق على مبادئ تشمل احترام السيادة، وعدم التدخل في الشؤون الداخلية، والتعايش السلمي. واستمرت الخلافات، خصوصًا بشأن تايوان، فيما أعلن الطرفان رغبتهما في تطبيع العلاقات وتقليل مخاطر الصراع العسكري.

وكانت إدارة الرئيس الأمريكي آنذاك تنظر إلى التقارب مع الصين باعتباره جزءًا من استراتيجيتها للخروج من حرب فيتنام وتحسين موقع الولايات المتحدة في مواجهة الاتحاد السوفيتي، فيما سعت القيادة الصينية إلى موازنة علاقاتها الخارجية في ظل التوتر مع موسكو.

النفط الروسي في حسابات الهند

بعد الأزمة الروسية الأوكرانية في فبراير 2022، فرضت دول غربية عقوبات على موسكو وقلّصت مشترياتها من النفط الروسي. وفي المقابل، زادت الهند وارداتها من الخام الروسي، مستفيدة من الخصومات السعرية التي ظهرت بعد تغير مسارات تجارة النفط.

وبحسب "Reuters في 22 أغسطس 2024"، تجاوزت الهند الصين لتصبح أكبر مستورد للنفط الروسي في يوليو من ذلك العام، بواردات بلغت 2.07 مليون برميل يوميًا، مثلت 44% من إجمالي وارداتها النفطية.

وفي تحليل نشره "المكتب الوطني للبحوث الآسيوية (NBR)"، في 3 سبتمبر 2024، تناولRaymond E. Vickery Jr. and Tom Cutler، أسباب زيادة المشتريات الهندية، وناقشا أثرها في المصالح الاقتصادية والاستراتيجية للهند وعلاقاتها مع الدول الغربية. وذهب الكاتبان إلى أن الأسعار المخفضة وحدها لا تكفي لتفسير سياسة الهند تجاه روسيا، مشيرين أيضًا إلى دور تجارة النفط في توفير إيرادات لموسكو خلال الحرب.

وبحسب التحليل نفسه، ارتفعت حصة روسيا من واردات الهند النفطية من نحو 2% عام 2021 إلى قرابة 40% عام 2023. وتوسعت بذلك تجارة الخام بين البلدين في وقت كانت فيه دول غربية تسعى إلى تقليص الإيرادات الروسية من صادرات الطاقة.

غواصات أستراليا وعضوية فنلندا في الناتو

في سبتمبر 2021، ألغت أستراليا صفقة غواصات مع فرنسا، كانت قد أبرمتها عام 2016، واتجهت إلى شراكة أمنية مع الولايات المتحدة وبريطانيا، عُرفت باسم «AUKUS»، لتطوير غواصات تعمل بالطاقة النووية. وأثار القرار أزمة دبلوماسية مع باريس، التي استدعت سفيريها لدى واشنطن.

ووفقًا "لتقرير Reuters المنشور عبر Euronews في 18 سبتمبر 2021"، وصف السفير الفرنسي لدى أستراليا إلغاء الصفقة بأنه خطأ دبلوماسي كبير، بعدما أعلنت كانبيرا اختيار مسار بديل يعتمد على التقنيات الأمريكية والبريطانية.

وفي أوروبا، انضمت فنلندا إلى حلف شمال الأطلسي (الناتو) في 4 أبريل 2023، منهية سياسة عدم الانحياز العسكري التي اتبعتها لعقود. وجاء القرار بعد الغزو الروسي لأوكرانيا في فبراير 2022، وسط إعادة تقييم فنلندا لبيئتها الأمنية. وأعلن الحلف رسميًا انضمامها في "بيانه الصادر في 4 أبريل 2023".

واستند انضمام فنلندا إلى إجراءات تصديق الدول الأعضاء على بروتوكول انضمامها، بعد توقيعه في يوليو 2022. وكانت فنلندا قد تعاونت مع الناتو لعقود قبل أن تتقدم بطلب العضوية في مايو 2022، عقب الغزو الروسي لأوكرانيا، وفقًا "للمعلومات المنشورة على موقع الحلف".

تطرح هذه الحالات سؤالًا عن طبيعة المصالح التي تحكم العلاقات الدولية، وحدود تأثيرها في قرارات الدول. فالمصلحة لا تقتصر على النفوذ والمكاسب الاقتصادية، بل تشمل الأمن وحماية السكان وتأمين الطاقة والغذاء وتجنب الحروب. كما تتأثر القرارات السياسية بالقيم والالتزامات القانونية والضغوط الداخلية، ولا تفسرها حسابات القوة وحدها.