بدأت الاحتجاجات التي اجتاحت مدنًا أوروبية خلال أكتوبر الجاري بمطالب تتعلق بالمدارس والسكن والأجور، قبل أن تشهد بعض المظاهرات مواجهات مع الشرطة وأعمال تخريب. وفي فرنسا، شارك أكثر من 500 ألف شخص في احتجاجات نهاية الأسبوع، تخللتها أعمال نهب وإحراق مبانٍ عامة والاعتداء على الشرطة، فيما خرج متظاهرون في إيطاليا والبرتغال وإسبانيا وألبانيا، احتجاجًا على أزمات معيشية تختلف تفاصيلها من بلد إلى آخر، وفق "تقرير شبكة CNBC".

فرنسا.. احتجاجات بدأت من المدارس

التحركات الفرنسية بدأت في سبتمبر، عندما احتج طلاب المدارس الثانوية على تدهور المرافق ونقص المعلمين، ثم اتسعت المطالب لتشمل ارتفاع تكاليف المعيشة وتراجع الخدمات العامة. وفي 17 أكتوبر، تحولت بعض التجمعات إلى أعمال عنف، وأُحرقت مبانٍ عامة، بينها مبنى بلدية مدينة ليموج، فيما تعرضت متاجر لـ التخريب والنهب في عدة مدن، بحسب "وكالة أسوشيتد برس".

وتزامنت الاحتجاجات مع تدهور مؤشرات اقتصادية؛ إذ بلغ معدل البطالة في فرنسا 8.3% خلال الربع الثاني من 2026، بما يعادل 2.7 مليون شخص، وارتفعت بطالة الشباب بين 15 و24 عامًا إلى 21.6%. كما زادت أسعار المستهلكين بنسبة 3.1% على أساس سنوي في سبتمبر، مقابل 2.4% في أغسطس، فيما قفزت أسعار الطاقة بنسبة 21.3%، وفق بيانات المعهد الوطني الفرنسي للإحصاء والدراسات الاقتصادية.

وتواجه الحكومة الفرنسية ضغوطًا لخفض عجز الموازنة، المتوقع أن يبلغ 5.4% من الناتج المحلي الإجمالي في 2026. وتشمل مقترحات ميزانية 2027 تجميد مؤشر رواتب موظفي الخدمة المدنية وتشديد التعويضات عن الإجازات المرضية، قبل الانتخابات الرئاسية المقررة العام المقبل.

وقال دوغلاس ييتس، الأستاذ في المدرسة الأمريكية للدراسات العليا في باريس، لـCNBC إن التضخم والاحتجاجات الطلابية والتنافس السياسي اجتمعت لتصعيد الاضطرابات، مع سعي أحزاب المعارضة إلى استثمار السخط تجاه الرئيس إيمانويل ماكرون، بحسب "التقرير نفسه".

البرتغال.. السكن في قلب الاحتجاجات

في لشبونة، خرج آلاف المتظاهرين للمطالبة بزيادة الأجور والمعاشات وتحسين الخدمات العامة وتخفيف أعباء السكن والمعيشة. وقالت ميراندا سارمينتو، وزيرة الدولة والمالية البرتغالية، لـCNBC إن ارتفاع أسعار الوقود والديزل أثار غضب المواطنين، لكن تكاليف السكن المرتفعة تمثل المحرك الرئيسي للاحتجاجات. وتظهر بيانات "يوروستات"، أن أسعار المنازل في البرتغال ارتفعت بنسبة 16.5% على أساس سنوي في الربع الثاني من 2026، وهي أعلى زيادة بين دول الاتحاد الأوروبي خلال الفترة نفسها.

وأضافت سارمينتو أن البرتغال تتمتع بوضع مالي أقوى وديون أقل من فرنسا، لكنها شددت على ضرورة معالجة ضعف الإنتاجية والقدرة التنافسية في أوروبا. وأوضحت أن الاقتصاد الأوروبي لا ينمو بالسرعة نفسها التي ينمو بها الاقتصاد الأمريكي، ما يحد من قدرة الحكومات على زيادة الأجور وتمويل الخدمات العامة والدعم الاجتماعي، وفق "تصريحاتها لشبكة CNBC".

إسبانيا وألبانيا وإيطاليا.. مطالب مختلفة

في إسبانيا، ارتبطت احتجاجات الإسكان بقضية ماريكارمن أباسكال، البالغة 87 عامًا، التي أُخليت من منزلها بعد زيادة إيجاره بنسبة 230% من جانب صندوق استثماري، ثم توفيت بعد أسبوعين. وفي ألبانيا، احتج طلاب على أوضاع الجامعات وارتفاع الرسوم الدراسية، مطالبين باستقالة رئيس الوزراء إيدي راما، وشهدت المظاهرات إلقاء زجاجات حارقة وإحراق سيارات وحاويات قمامة، بحسب "تقرير CNBC".

أما في إيطاليا، فتحولت مسيرة في ميلانو احتجاجًا على غلاء المعيشة إلى مواجهات، ألقى خلالها مثيرو شغب الحجارة وأحجار الرصف على الشرطة وأحرقوا المتاريس. وأصيب ضباط واحتُجز عشرات المتظاهرين، وفق "تغطية الجزيرة للاحتجاجات الأوروبية".

الطاقة والديون

وتأتي هذه الاحتجاجات في ظل ارتفاع تكاليف الطاقة والوقود، متأثرة بالحرب في إيران والحرب الروسية الأوكرانية. وقال أندرو كينينغهام، كبير الاقتصاديين الأوروبيين في «كابيتال إيكونوميكس»، لـCNBC إن ارتفاع أسعار الطاقة لا يفسر وحده أعمال العنف، مشيرًا إلى أن الزيادة الحالية أقل مما شهدته أوروبا في 2022، مع بداية الحرب الروسية الأوكرانية.

وفي فرنسا، امتدت الضغوط إلى الأسواق المالية مع ارتفاع عوائد السندات الحكومية وتراجع اليورو، وسط مخاوف المستثمرين بشأن الدين العام وعجز الموازنة. وحذرت شارون بيل، كبيرة استراتيجيي الأسهم الأوروبية في «غولدمان ساكس»، من صعوبة خفض العجز دون إجراءات مؤلمة، مثل زيادة الضرائب أو تقليص الإنفاق، فيما حذر مايك بيل، من «آر بي سي بلو باي» لإدارة الأصول، من خطر أزمة ديون سيادية في فرنسا.