تقترب روسيا من الانتهاء من بناء قاعدة جديدة لإطلاق الطائرات المسيّرة الهجومية النفاثة في جنوب غرب البلاد، خلال ستة أسابيع فقط، في توسع جديد لقدراتها الهجومية بالقرب من أوكرانيا، بالتزامن مع زيادة استخدامها هذا النوع من الطائرات الأسرع والأصعب في الاعتراض.

وأظهرت صور الأقمار الصناعية، التي حللتها وكالة رويترز، أن موقعًا كان حقلًا فارغًا في منطقة روستوف في 31 أغسطس، تحول بحلول 15 أكتوبر إلى منشأة عسكرية معقدة تبلغ مساحتها نحو 0.9 كيلومتر مربع، تعادل مساحة حوالي 126 ملعب كرة قدم.

ويأتي بناء القاعدة بينما تستعد كييف لاحتمال تصعيد الهجمات الروسية بالطائرات المسيّرة والصواريخ خلال الشتاء، مع تزايد التحديات التي تواجهها في اعتراض الطائرات النفاثة، التي يمكن أن تصل سرعتها إلى 600 كيلومتر في الساعة.

قاعدة جديدة لإطلاق الطائرات المسيّرة

أظهرت الصور التجارية التي قدمتها شركتا "بلانيت لابز" و"إيرباص" أن أعمال البناء بدأت في الموقع صباح الأول من سبتمبر، بعد أن أظهرت صور اليوم السابق حقلًا خاليًا لا توجد فيه علامات على بدء الإنشاءات. وقال مايك مونيك، مؤسس ورئيس شركة الاستخبارات الخاصة "DroneSec"، إن المنشأة الجديدة ستكون قادرة على إطلاق طرازي "Geran-4" و"Geran-5"، وهما أحدث أنواع الطائرات المسيّرة النفاثة الروسية.

وأوضح مونيك أن الصور أظهرت ثماني منصات لإطلاق الطائرات المسيّرة على الحافة الغربية للمنشأة، مضيفًا أن الموقع يقترب من الاكتمال، وقد يصبح جاهزًا للعمل بكامل طاقته خلال أسابيع، إن لم يكن قبل ذلك.

وأشار إلى أن سرعة البناء تعكس قدرة روسيا على توظيف إمكاناتها الهجومية القائمة بسرعة، لافتًا إلى أن المنشأة قد تكون قادرة على إطلاق 100 طائرة مسيّرة نفاثة أو أكثر خلال 24 ساعة. ويظل ذلك تقديرًا محتملًا يعتمد على عوامل، من بينها الإمدادات المتاحة والأهداف، في حين تطلق روسيا هذه الطائرات عادةً بأعداد أقل موزعة على مدار اليوم.

وتقع القاعدة الجديدة على بعد نحو 3.5 كيلومتر من قاعدة ميليروفو الجوية الروسية، التي تضم فوج الطيران المقاتل للحرس الحادي والثلاثين. ووفقًا لشركة "DroneSec"، من المرجح أن تقع المنشأة داخل نطاق الحماية الجوية التي توفرها الأنظمة الموجودة في القاعدة الجوية، ما قد يجعل محاولات أوكرانيا لاستهدافها أكثر صعوبة.

لماذا تتوسع روسيا في الطائرات النفاثة؟

يرتبط التوسع في إنشاء القاعدة بتزايد استخدام روسيا الطائرات المسيّرة النفاثة في هجماتها على أوكرانيا. وأظهرت بيانات عسكرية أوكرانية نشرتها رويترز الشهر الماضي أن موسكو زادت استخدامها لهذا النوع من الطائرات بنحو ستة أضعاف خلال ثلاثة أشهر من الصيف، وكانت كييف والمنطقة المحيطة بها الأكثر استهدافًا.

ويتمثل الاختلاف الرئيسي بين الطائرات المسيّرة النفاثة ونظيراتها ذات المحركات المكبسية في السرعة؛ إذ تستطيع الطائرات النفاثة التحليق بسرعة أكبر، ما يصعّب اعتراضها باستخدام الطائرات المسيّرة الاعتراضية التي طورتها أوكرانيا لمواجهة النماذج الأبطأ بتكلفة منخفضة.

ومع ارتفاع استخدام الطائرات الأسرع وتراجع استخدام الطائرات المسيّرة الأبطأ، تسعى كييف إلى إيجاد وسائل جديدة للتصدي لهذا التهديد، خصوصًا أن زيادة سرعة الطائرات المهاجمة تقلل فاعلية بعض وسائل الاعتراض المتاحة أمامها.

وقال روب جوردان، مدير البرنامج في مركز الأبحاث البريطاني "RUSI"، إن المنصات الخرسانية وقضبان الإقلاع المحتملة التي ظهرت في الصور تتوافق مع مسارات إطلاق طائرات "جيران" الروسية المسيّرة. وأضاف جوردان أن إنجاز هذا الحجم من البناء خلال فترة قصيرة يعكس الثقة النسبية التي توليها روسيا لقدرتها على تنفيذ ضربات بعيدة المدى، ربما على حساب قواتها البرية التقليدية.

تحدٍ يتجاوز أوكرانيا

لا تقتصر أهمية المنشأة الجديدة على الحرب في أوكرانيا، إذ يأتي بناؤها في وقت تشهد فيه العلاقات بين روسيا وحلف شمال الأطلسي "الناتو" مزيدًا من التوتر. وتتهم حكومات أوروبية موسكو بتصعيد أنشطة التخريب والتوغلات بالطائرات المسيّرة والهجمات الإلكترونية، فيما حذرت روسيا الشهر الماضي من احتمال استخدام الأسلحة النووية إذا حاول الناتو قطع الاتصال بجيب كالينينغراد التابع لها.

ويرى مونيك أن الجمع بين الإنتاج الصناعي للطائرات المسيّرة النفاثة وتطورها المتزايد، إلى جانب محدودية الدفاعات الشاملة المضادة للطائرات المسيّرة في عدد من دول الناتو، يشكل تحديًا أمنيًا للغرب. وقال إن قدرة روسيا على نشر أنظمة مسيّرة لتنفيذ هجمات واسعة النطاق تمثل نقطة ضعف استراتيجية لدول الحلف، في إشارة إلى الصعوبات التي قد تواجهها هذه الدول في التصدي لهجمات تعتمد على أعداد كبيرة من الطائرات المسيّرة.

ولم ترد وزارة الدفاع الروسية على الفور على طلب رويترز للتعليق على المنشأة الجديدة وبرنامج الطائرات المسيّرة النفاثة الأوسع.

أعمال البناء تقترب من الاكتمال

أظهر تحليل رويترز أن منصتين من أصل ثماني منصات إطلاق في المنشأة كانتا مجهزتين بالفعل بقضبان تثبيت، بينما كانت أعمال تركيب القضبان جارية في منصتين أخريين. كما رصدت صور الأقمار الصناعية استمرار أعمال البناء في أجزاء أخرى من الموقع على مدار ثلاثة أيام خلال الأسبوع. وتشير هذه التطورات إلى اقتراب المنشأة من الجاهزية، في وقت تزيد فيه روسيا استخدام الطائرات المسيّرة النفاثة التي تمنحها سرعة أكبر في تنفيذ الهجمات بعيدة المدى، بينما تواصل أوكرانيا البحث عن وسائل أكثر فاعلية لاعتراضها.