حين اقتحم شاب في العشرينيات من عمره سور الرياض ليلًا مع 40 رجلًا فقط، لم يكن يعرف أن تلك الليلة ستصبح البداية الفعلية لدولة تُصنف اليوم بين أقوى 20 اقتصادًا في العالم.

كان عبد العزيز بن عبد الرحمن آل سعود لا يملك جيشًا ولا مالًا وفيرًا، لكنه كان يملك 7 رجال دخلوا بيتًا مجاورًا لقصر المصمك، وعزيمة لم تلن.

ومن تلك اللحظة بدأت حكاية امتدت 124 عامًا، وصولًا إلى ما تحتفي به المملكة العربية السعودية في 23 سبتمبر 2026، حين تحل ذكرى يومها الوطني تحت شعار «عزنا بطبعنا».

ولا يأتي استحضار هذا التاريخ باعتباره ذكرى لتوحيد وقع قبل قرن من الزمن فقط، وإنما بوصفه بداية لمسار طويل من التحولات. فالمملكة التي خرجت من واقع الصحراء والتناحر القبلي تسجل اليوم المرتبة 13 عالميًا في التنافسية الدولية، فيما ارتفعت الاستثمارات الأجنبية المباشرة فيها بنحو 53% خلال عام واحد. وبين لحظة استرداد مدينة ومسار اقتصادي يتغير معه شكل الدولة، يمتد خيط واحد بدأ بقرار التوحيد.

من رمال الجافورة إلى استرداد الرياض

بدأت القصة من الخسارة. غادرت أسرة الملك عبد العزيز الرياض عام 1308هـ، واستقرت في الكويت عام 1311هـ، فيما ظل الشاب المولود في الرياض عام 1293هـ يفكر في العودة إليها وإعادة بناء الدولة السعودية. جاءت المحاولة الأولى عام 1318هـ، لكنها لم تكتمل، ولم تدفعه النتيجة إلى التخلي عن هدفه.

اختار عبد العزيز بعد ذلك الاحتماء برمال الجافورة، حيث مكث 50 يومًا مع رفاقه قبل أن يتحرك من جديد. وفي الخامس من شوال 1319هـ، الموافق 15 يناير 1902م، وصل مع رجاله إلى الرياض، واقتحم قصر المصمك عبر فتحة في بابه عُرفت باسم «الخوخة». وكان استرداد المدينة نقطة انطلاق لمسيرة توسعت بعدها رقعة الدولة تدريجيًا.

وفي عام 1345هـ عُرفت الدولة باسم «مملكة الحجاز ونجد وملحقاتها»، قبل أن يصدر في 19 سبتمبر 1932م أمر ملكي بتغيير اسمها إلى «المملكة العربية السعودية»، اعتبارًا من 23 سبتمبر من العام نفسه. ومن هنا استقر التاريخ الذي تحتفل به المملكة يومًا وطنيًا كل عام.

من التوحيد إلى بناء الدولة

لم يتوقف المشروع عند توحيد الأرض، إذ اتجه الملك عبد العزيز إلى بناء مؤسسات قادرة على إدارة الدولة الجديدة وتنظيم شؤونها. فعمل على تنظيم القضاء والأمن والجيش، ثم امتد اهتمامه إلى موارد الدولة، وكان النفط أحد أهم محاور هذا التحول.

وُقعت اتفاقية التنقيب عن النفط عام 1933م، وبعد 5 سنوات اكتُشف النفط في بئر الدمام رقم «7»، ثم صدرت أول شحنة عام 1939م. ومع تدفق العائدات، اتسعت مجالات الإنفاق على التعليم والصحة والزراعة، وأنشئت مؤسسة النقد العربي السعودي عام 1952م لتنظيم الشؤون النقدية والاقتصادية.

وارتبط هذا البناء بإنشاء المرافق وتوسيع الخدمات، من المدارس والمستشفيات إلى الطرق ووسائل النقل والاتصال. وفي الوقت نفسه، دخلت الدولة مرحلة جديدة من تنظيم أجهزتها ومؤسساتها، بعدما اتخذ التوحيد شكله الإداري إلى جانب شكله السياسي.

مسيرة يواصلها الأبناء

حين توفي الملك عبد العزيز في 9 نوفمبر 1953م، لم تتوقف المسيرة التي بدأت معه، وإنما انتقلت إلى أبنائه، وأضاف كل عهد طبقة جديدة إلى البناء. ففي عهد الملك سعود بدأ العمل الرسمي لمجلس الوزراء، وأنشئت وزارات المعارف والزراعة والتجارة، إلى جانب الجولات التفقدية لمناطق المملكة والزيارات الخارجية التي عززت علاقاتها مع الدول الشقيقة والصديقة.

ومع الملك فيصل، اتسع حضور المملكة في القضايا الإسلامية والعربية، فتَبنى فكرة التضامن الإسلامي، ودعا إلى عقد مؤتمر قمة إسلامي أفضى إلى تأسيس منظمة التعاون الإسلامي في جدة. كما دعم القضية الفلسطينية، وساند مصر وسوريا والأردن في مواجهة العدوان الإسرائيلي عام 1393هـ/1973م.

أما الملك خالد فواصل البناء مع توسع الطرق والبنية التحتية وتشجيع الزراعة والصناعة وتعزيز الخدمات الصحية والتعليم، كما استكمل مشروعات الحرمين الشريفين، وفي مقدمتها أعمال التوسعة السعودية الأولى للمسجد الحرام.

وفي عهد الملك فهد اكتسب البناء المؤسسي بعدًا تشريعيًا وإداريًا أوسع، مع صدور 3 أنظمة عام 1412هـ/1992م، هي النظام الأساسي للحكم ونظام مجلس الشورى ونظام المناطق. كما أشرف على أكبر توسعتين للمسجد الحرام والمسجد النبوي حتى ذلك الوقت، وأنشأ مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف عام 1405هـ/1984م، إلى جانب دعم القضايا العربية والإسلامية.

ومضى هذا النهج في عهد الملك عبد الله، الذي شهدت المملكة خلاله منجزات تنموية في التعليم والصحة والنقل والصناعة والكهرباء والمياه والزراعة والاقتصاد. وأُقرت في عهده أنظمة وبرامج عدة، من بينها نظام هيئة البيعة، ومشاركة المرأة السعودية في مجلس الشورى، وتأسيس هيئة حقوق الإنسان، كما بدأت عام 1428هـ/2007م التوسعة السعودية الثالثة للمسجد الحرام.

رؤية جديدة لمسار الدولة

مع تولي الملك سلمان الحكم في 23 يناير 2015م، دخلت عملية البناء مرحلة جديدة ركزت على إعادة تنظيم الجهاز الإداري ورفع كفاءته. فأُلغي 12 لجنة ومجلسًا أعلى، وأنشئ مجلسا الشؤون السياسية والأمنية والشؤون الاقتصادية والتنمية، كما أعيدت هيكلة الوزارات، وأنشئت وزارة الثقافة وأجهزة متخصصة لتعزيز كفاءة الإنفاق والتحول الوطني، إلى جانب تشكيل اللجنة العليا لمكافحة الفساد عام 2017م.

وفي أبريل 2016م أُقرت رؤية السعودية 2030 التي قدمها ولي العهد الأمير محمد بن سلمان، لتكون خارطة طريق لتطوير الأداء الحكومي وتحقيق أهداف التنمية الوطنية، وترافقت معها إصلاحات اجتماعية عززت تمكين المرأة وزيادة مشاركتها في سوق العمل وتوليها المناصب القيادية.

وتظهر المؤشرات الاقتصادية والرقمية جانبًا من التحول الذي رافق هذه المرحلة. فقد بلغ الاستثمار الأجنبي المباشر 32.6 مليار دولار في 2025م، بنمو يقارب 53% عن العام السابق. كما جاءت المملكة في المرتبة الثانية عالميًا في نضج الحكومة الرقمية، وفازت «سدايا» بجائزة الأمم المتحدة للخدمة العامة، فيما شهد مؤتمر «ليب 2026» إطلاقات واستثمارات وشراكات تتجاوز قيمتها 15 مليار دولار في الذكاء الاصطناعي.

حضور يتجاوز الاقتصاد

وبالتوازي مع التحولات الداخلية، كثفت المملكة تحركاتها الخارجية خلال الفترة الفاصلة بين اليومين الوطنيين. ففي 18 و19 نوفمبر 2025م زار ولي العهد الولايات المتحدة الأمريكية، وعقد القمة السعودية الأمريكية مع الرئيس دونالد ترمب. وفي 24 أغسطس 2026م زار فرنسا، والتقى الرئيس إيمانويل ماكرون، ورأس القائدان الاجتماع الأول لمجلس الشراكة الاستراتيجية السعودي الفرنسي.

وحضر الأمن الإقليمي في عدد من هذه التحركات، إذ جمع لقاء ثلاثي في جدة ولي العهد وملك الأردن عبد الله الثاني وأمير قطر الشيخ تميم بن حمد آل ثاني في 30 مارس 2026م، لبحث تداعيات التصعيد العسكري ومخاطره على الملاحة الدولية وإمدادات الطاقة. وفي أغسطس 2026م احتضنت مكة المكرمة قمة للدفاع المشترك مع تركيا وباكستان، انتهت بتوقيع «اتفاقية مكة للدفاع المشترك».

وامتد التعاون إلى المجال الخليجي من خلال مشروع قطار كهربائي سريع لنقل الركاب بين السعودية وقطر، كما انعقد الاجتماع الرابع لمجلس التنسيق السعودي البحريني وشهد توقيع اتفاقيات ومذكرات تفاهم.

وفي المجال الإنساني، كثفت المملكة الجسور الإغاثية إلى غزة خلال يناير 2026م، وقدمت لليمن في مايو دعمًا عاجلًا بالمشتقات النفطية بقيمة 150 مليون دولار. ووفق منصة التتبع المالي التابعة للأمم المتحدة، جاءت المملكة في المرتبة الثانية عالميًا والأولى عربيًا بين الدول المانحة للمساعدات الإنسانية والإغاثية.

من التنمية إلى المعرفة

لم تقتصر التحولات على السياسة والاقتصاد، إذ امتدت إلى البيئة والتراث والعلوم. فقد أعلنت المملكة تأهيل أول مليون هكتار من الأراضي المتدهورة ضمن مبادرة السعودية الخضراء، فيما سجلت هيئة التراث 8,581 أصلًا من أصول التراث العمراني. كما حصد الطلبة السعوديون 24 جائزة في «آيسف 2026»، بينها 12 جائزة كبرى، فيما حقق المشاركون السعوديون في أولمبياد العلوم النووية الدولي بجدة ميداليتين ذهبيتين وفضية وبرونزية، إضافة إلى لقب «سفير العلوم النووية» وأفضل طالبة.

وهكذا تمتد المسافة من رمال الجافورة والبيت المجاور للمصمك إلى مؤشرات التنافسية والاستثمار والحكومة الرقمية، فيما يتصل الحاضر بتاريخ بدأ باسترداد الرياض ثم اتسع مع توحيد البلاد وبناء مؤسساتها، قبل أن ينتقل عبر عهود ملوكها إلى رؤية السعودية 2030. وفي 23 سبتمبر 2026، تعود المملكة إلى اليوم الذي أُعلنت فيه باسمها الحالي، مستحضرةً مسيرة عمرها 124 عامًا تحت شعار «عزنا بطبعنا».