في منطقة تتوالى فيها الأزمات وتتداخل فيها ملفات الحرب والأمن والطاقة والملاحة، برزت خلال 2026 تحركات دبلوماسية سعودية لاحتواء عدد من الأزمات، عبر الاتصالات المباشرة، ودعم مسارات التفاوض، والمشاركة في جهود الوساطة الإقليمية والدولية.

فمن السودان، حيث تواصل الرياض الدفع باتجاه وقف إطلاق النار واستئناف الحوار السياسي استنادًا إلى مسار جدة، إلى المواجهة بين الولايات المتحدة وإيران، التي دعمت خلالها المملكة جهود الوساطة الإقليمية الرامية إلى خفض التصعيد، برز الحضور السعودي كأحد مسارات التحرك الدبلوماسي في أزمات المنطقة.

ولا تقتصر هذه التحركات على محاولة وقف القتال، بل تمتد إلى حماية أمن الملاحة وسلاسل الإمداد، والحفاظ على وحدة الدول ومؤسساتها، وتهيئة الظروف أمام حلول سياسية يمكن أن تحد من تداعيات الأزمات على المنطقة.

فما أبرز التحركات الدبلوماسية السعودية لاحتواء أزمات المنطقة خلال 2026؟ وكيف تحركت الرياض بين الوساطة المباشرة ودعم المسارات التفاوضية؟

السودان.. مسار جدة في مواجهة الحرب

في 26 يونيو 2026، أكدت المملكة العربية السعودية، خلال جلسة لمجلس الأمن بشأن السودان، أن استقرار البلاد ووقف إطلاق النار والحفاظ على وحدة أراضيها ومؤسسات الدولة تمثل أولوياتها، مشددة على أن الحل يجب أن يكون سياسيًا "سودانيًا-سودانيًا".

وقال المندوب الدائم للمملكة لدى الأمم المتحدة، السفير عبدالعزيز الواصل، إن استمرار النزاع والانفلات الأمني وعدم تنفيذ تعهدات منبر جدة وقرارات مجلس الأمن أسهمت في تفاقم الأزمة الإنسانية، مؤكدًا حرص الرياض على إنهاء الصراع وتقريب وجهات النظر بين الأطراف السودانية واستئناف الحوار السياسي استنادًا إلى إعلان جدة.

وجددت المملكة رفضها لأي إجراءات تمس وحدة السودان أو مؤسسات الدولة، كما رحبت بالجهود الإقليمية والدولية الرامية إلى التوصل لوقف دائم لإطلاق النار، وأكدت استمرار تقديم المساعدات الإنسانية للشعب السوداني.

مؤتمر برلين.. دعم المسار السياسي والمساعدات

وفي 15 أبريل 2026، شارك نائب وزير الخارجية السعودي وليد الخريجي في مؤتمر برلين من أجل السودان، مؤكدًا أن أولوية المملكة تتمثل في تحقيق الاستقرار، والوصول إلى وقف فوري لإطلاق النار، والحفاظ على مؤسسات الدولة السودانية من الانهيار، وصون وحدة البلاد وسيادتها وسلامة أراضيها.

وشدد الخريجي على أن معالجة الأزمة تتطلب عملية سياسية سودانية-سودانية، موضحًا أن المملكة تواصل جهودها لإنهاء النزاع استنادًا إلى إعلان جدة الموقع في 11 مايو 2023، والعمل على تقريب وجهات النظر وتيسير العودة إلى مسار الحوار السياسي.

وفي الجانب الإنساني، أعلن الخريجي تقديم المملكة 145 مليون دولار ضمن خطة الاستجابة الإنسانية للسودان لعام 2026، إلى جانب مساعدات أخرى عبر مركز الملك سلمان للإغاثة، فيما أشارت البيانات السعودية إلى تجاوز إجمالي المساهمات السعودية للسودان 3 مليارات دولار في مختلف القطاعات.

كما التقى ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان، في جدة، رئيس مجلس السيادة الانتقالي السوداني عبدالفتاح البرهان خلال 2026، وجرى بحث مستجدات الأوضاع في السودان والجهود المبذولة بشأنها، مع التأكيد على أمن واستقرار البلاد والحفاظ على سيادتها ووحدتها وسلامة أراضيها.

لبنان.. محاولة لتقريب المواقف

وفي لبنان، اتخذ التحرك السعودي شكلًا مختلفًا، إذ دخلت الرياض في اتصالات مباشرة لمحاولة تقريب مواقف القيادات اللبنانية. وبحسب تقرير نشرته وكالة "رويترز" في 30 أبريل 2026، تحرك المبعوث السعودي الأمير يزيد بن فرحان لعقد اجتماع ثلاثي يضم الرئيس اللبناني جوزيف عون ورئيس مجلس النواب نبيه بري ورئيس الوزراء نواف سلام، بهدف تقريب المواقف، لكن الاجتماع تعثر وسط الخلافات السياسية الداخلية.

واشنطن وطهران.. دعم الوساطة وخفض التصعيد

في الأزمة بين الولايات المتحدة وإيران، دعمت السعودية جهود الوساطة التي قادتها دول أخرى، إلى جانب التحرك السياسي المرتبط بأمن المنطقة والملاحة. وفي 15 يونيو 2026، رحبت وزارة الخارجية السعودية بالاتفاق الأمريكي الإيراني لإنهاء العمليات العسكرية وبدء مفاوضات تفصيلية لمدة 60 يومًا بهدف التوصل إلى اتفاق دائم.

وأشادت الرياض في بيانها بجهود الوساطة التي قامت بها باكستان وقطر، مؤكدة أهمية استعادة الأمن وحرية الملاحة في مضيق هرمز، والتوصل إلى اتفاق دائم يأخذ في الاعتبار المصالح الأمنية لدول المنطقة.

وفي السياق نفسه، أجرى وزير الخارجية السعودي فيصل بن فرحان اتصالات مع الجانب القطري بشأن تطورات الأزمة، حيث ناقش مع رئيس الوزراء وزير الخارجية القطري محمد بن عبدالرحمن في مايو 2026 جهود الوساطة الباكستانية بين واشنطن وطهران، وسبل تنسيق الجهود الرامية إلى خفض التصعيد وفتح المجال أمام الحلول السلمية والحوار.

كما شاركت السعودية في يونيو 2026 في منتدى أوسلو، ضمن جلسة حملت عنوان "الوساطة في شرق أوسط مضطرب"، حيث عرضت رؤيتها بشأن الوساطة وبناء السلام، مؤكدة أن الحلول المستدامة للأزمات تتطلب الحوار والتعاون واحترام سيادة الدول والقانون الدولي.

الأمم المتحدة.. تأكيد على الحوار والوساطة

وفي 20 سبتمبر 2026، أكد وزير الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان، خلال مشاركة المملكة في الأسبوع رفيع المستوى للدورة الـ81 للجمعية العامة للأمم المتحدة، أن التحرك السعودي يأتي في إطار دعم السلم والأمن الدوليين وتعزيز الحوار والوساطة والمساهمة في مواجهة التحديات المشتركة.

وشدد الوزير السعودي على أهمية احترام سيادة الدول والحل السلمي للنزاعات، إلى جانب الحفاظ على سلامة وحرية الملاحة في الممرات المائية الدولية، وهي ملفات تكررت في التحركات السعودية تجاه أزمات المنطقة خلال العام.

2026 امتداد لتحركات سابقة

وتأتي تحركات 2026 في سياق أوسع من الانخراط السعودي في ملفات الأزمات الإقليمية خلال السنوات الماضية؛ ففي السودان، استضافت جدة منذ مايو 2023 محادثات بين طرفي الصراع بالتنسيق مع الولايات المتحدة، بهدف حماية المدنيين وتسهيل وصول المساعدات وتهيئة مسار للحوار، وهو ما وثقته الأمم المتحدة في حينه.

وفي اليمن، طرحت السعودية في مارس 2021 مبادرة لإنهاء الأزمة والتوصل إلى حل سياسي شامل، كما ارتبطت الجهود السعودية بآليات لتنفيذ اتفاق الرياض ووقف التصعيد بين الحكومة اليمنية والمجلس الانتقالي الجنوبي.

وبذلك، فإن التحرك السعودي خلال 2026 لا يظهر كمسار منفصل، وإنما يأتي امتدادًا لنمط من الانخراط الدبلوماسي اتخذ خلال السنوات الماضية أشكالًا متعددة، من استضافة المفاوضات والاتصالات المباشرة إلى دعم وساطات إقليمية ودولية.