يتجه سباق التسلح إلى مجال جديد تحت سطح البحر، مع زيادة اهتمام الحكومات والشركات بتطوير تقنيات قادرة على مراقبة قاع المحيط وحماية البنية التحتية الحيوية، مثل كابلات الاتصالات وخطوط أنابيب الطاقة.
ويأتي هذا التحول وسط مخاوف متزايدة من "الحرب الهجينة"، التي قد تشمل الهجمات السيبرانية وتخريب منشآت الطاقة والتضليل والضغوط الاقتصادية، إلى جانب التطورات السريعة في الذكاء الاصطناعي والطائرات المسيّرة والتقنيات الذاتية.
البنية التحتية تحت التهديد
أعاد انفجار خطوط أنابيب نورد ستريم في بحر البلطيق عام 2022، والذي خلص المحققون إلى أنه نتج عن تخريب متعمد، لفت الانتباه إلى هشاشة البنية التحتية الموجودة تحت سطح البحر. تضم شبكة الاتصالات العالمية أكثر من 1.5 مليون كيلومتر من الكابلات البحرية حتى بداية 2026، إلى جانب خطوط أنابيب النفط والغاز وكابلات الطاقة التي تربط أسواق الكهرباء وتنقل الطاقة من مزارع الرياح البحرية إلى اليابسة.
ومع صعوبة مراقبة هذه المساحات الشاسعة، تتجه دول وتحالفات عسكرية إلى استخدام مركبات ذاتية تحت الماء وأجهزة استشعار مرتبطة بالكابلات لمراقبة البنية التحتية الحيوية. وتعمل شركات دفاعية على تطوير مركبات قادرة على تنفيذ مهام تحت الماء من دون تحكم بشري مستمر. ومن بينها شركة Euroatlas الألمانية، التي طورت مركبة "GrayShark" الذاتية، المصممة للوصول إلى مناطق محددة وتنفيذ مهام المراقبة والكشف.
ويمكن للمركبة، أثناء فحص خط أنابيب مثلًا، اكتشاف جسم يشبه لغمًا والإبلاغ عنه قبل انتظار قرار المشغل بشأن الخطوة التالية. وتتخيل الشركة مستقبلًا تعتمد فيه القوات البحرية على أساطيل من المركبات الذاتية التي تقوم بدوريات مستمرة في المناطق الاستراتيجية، بدلًا من الاعتماد على السفن الحربية لمراقبة كل كيلومتر من الكابلات والمنشآت.
ولا يقتصر التطور على مراقبة البنية التحتية، إذ تظهر أيضًا مهام لمواجهة المركبات الذاتية تحت الماء التابعة لدول أخرى، ما يفتح المجال لنشاط متزايد بين الآلات نفسها في أعماق البحار.
سباق تقني لم يكتمل بعد
تستثمر شركات دفاعية كبرى في المجال، إذ أعلنت شركة Fincantieri الإيطالية خططًا للاستحواذ على حصص أغلبية في أربع شركات مقابل نحو 600 مليون يورو، لتوسيع قدراتها في الطائرات المسيّرة البحرية وتحت الماء والمسح البحري والاتصالات تحت سطح البحر. لكن تطوير هذه التقنيات يواجه تحديات كبيرة؛ فالرؤية محدودة تحت الماء، والاتصالات أكثر صعوبة، والإشارات لا تنتقل بالطريقة نفسها التي تنتقل بها في الجو.
كما أن حماية أكثر من مليون كيلومتر من البنية التحتية البحرية ليست مهمة يمكن لأي دولة تنفيذها بشكل كامل. لذلك، يتوقع خبراء أن يتطلب تأمين قاع البحر تعاونًا أكبر بين الحكومات ومالكي البنية التحتية، إلى جانب زيادة المراقبة واستخدام أجهزة الاستشعار ودفن بعض الكابلات على أعماق أكبر.
ورغم تصاعد الاستثمارات، لا تزال المركبات الذاتية تحت الماء بعيدة عن أن تكون حلًا شاملًا لتأمين قاع المحيط، لكنها أصبحت جزءًا متزايد الأهمية من جهود الردع والمراقبة.




