حقق حزب "البديل من أجل ألمانيا" اليميني المتطرف فوزًا تاريخيًا في انتخابات ولاية "ساكسونيا-أنهالت" شرقي ألمانيا، متصدرًا النتائج بفارق كبير عن منافسه الاتحاد الديمقراطي المسيحي بزعامة المستشار فريدريش ميرتس، في نتيجة تقرب الحزب من الوصول إلى السلطة على مستوى إحدى الولايات الألمانية للمرة الأولى منذ نهاية الحرب العالمية الثانية.

وبحسب "رويترز"، أظهرت النتائج الأولية حصول "البديل من أجل ألمانيا" على نحو 44% من الأصوات، مقابل نحو 17% للاتحاد الديمقراطي المسيحي، في هزيمة كبيرة للمحافظين، فيما بلغت نسبة المشاركة نحو 77%.

ووفقًا لـ"بي بي سي"، حصل الحزب على 43.8% من الأصوات، متجهًا إلى الفوز بنحو 39 مقعدًا من أصل 83 في برلمان الولاية، أي أقل بثلاثة مقاعد من الأغلبية المطلقة، ما يجعل تشكيل الحكومة المقبلة أمرًا معقدًا.

"لقد صنعنا التاريخ"

قال أولريش زيجماند، مرشح الحزب الأبرز في الولاية، إن النتيجة تمثل "صنعًا للتاريخ"، معتبرًا أنها تفويض من الناخبين لتشكيل الحكومة وتحقيق تغيير سياسي. وزادت نتيجة الحزب إلى أكثر من الضعف مقارنة بانتخابات 2021، في مؤشر على تسارع صعوده في الولايات الشرقية، التي تمثل معقلًا انتخابيًا له.

ولا تصنف أجهزة الاستخبارات الداخلية في ساكسونيا-أنهالت الحزب باعتباره حزبًا يمينيًا عاديًا، بل تعتبره "متطرفًا يمينيًا"، وهو ما يرفضه قادته، مؤكدين أن الاتهامات الموجهة إليهم تهدف إلى تخويف الناخبين.

صعوبة تشكيل الحكومة

رغم الفوز الكبير، لا يمتلك "البديل من أجل ألمانيا" الأغلبية اللازمة لتشكيل حكومة بمفرده، كما ترفض الأحزاب الرئيسية التعاون معه. وظهرت إمكانية حصول الحزب على دعم غير مباشر من "تحالف ساهرا فاغنكنشت" (BSW)، الذي كان قريبًا من تجاوز عتبة دخول البرلمان، إذ يتبنى مواقف متشددة بشأن الهجرة ويدعم استئناف استيراد الغاز الروسي.

وبحسب "بي بي سي"، أشارت بياتريكس فون شتورش، القيادية في الحزب، إلى أن "البديل من أجل ألمانيا" يعتزم إجراء محادثات لتأمين دعم نواب من أحزاب أخرى، ومن بينهم نواب من الاتحاد الديمقراطي المسيحي غير الراضين عن حزبهم.

في المقابل، استبعد زيجماند تشكيل حكومة أقلية، وقال إن إجراء انتخابات جديدة قد يكون خيارًا إذا تعذر تشكيل الحكومة، بينما يدرس المحافظون إمكانية التفاوض مع أحزاب أخرى لتشكيل ائتلاف، وهو أمر قد يكون معقدًا للغاية.

تمثل النتيجة ضربة قوية لميرتس وحكومته الائتلافية، في ظل تراجع شعبيته وانتقادات الناخبين لأداء الحكومة الاتحادية. وأظهر استطلاع أجرته شبكة "إيه آر دي" أن 87% من الناخبين في الولاية غير راضين عن أداء الحكومة الاتحادية.

وقال رئيس المعهد الألماني للأبحاث الاقتصادية مارسيل فراتشر لـ"رويترز" إن النتيجة تمثل في الأساس تصويتًا بحجب الثقة عن الحكومة الاتحادية. وكان ميرتس قد تعهد بإصلاحات اقتصادية داعمة لقطاع الأعمال وزيادة الإنفاق، محذرًا من أن صعود "البديل من أجل ألمانيا" قد يضر بالولاية ويؤثر سلبًا على الاستثمارات الأجنبية.

الهجرة و"الهوية الألمانية"

استفاد الحزب خلال حملته من حالة الغضب تجاه الأحزاب التقليدية، وركز على تشديد سياسات الهجرة، وتعزيز القيم المحافظة في المدارس والثقافة، وإصلاح الإعلام العام. كما دعا إلى تخصيص فصول منفصلة لأطفال اللاجئين، وحظر أعلام قوس قزح في المدارس، ورفع العلم الألماني يوميًا، وتعزيز تدريس اللغة الروسية، ووقف إنشاء مزارع رياح جديدة.

ويتبنى الحزب أيضًا موقفًا مؤيدًا لتحسين العلاقات مع روسيا وتقليص الدعم المقدم لأوكرانيا، إلى جانب الدعوة إلى تشديد القيود على الهجرة.

لماذا تثير النتيجة القلق؟

لا تقتصر أهمية الفوز على ساكسونيا-أنهالت، إذ ينظر إليه باعتباره مؤشرًا على توسع نفوذ اليمين المتطرف في ألمانيا. وكان الحزب قد فاز في انتخابات ولاية تورينجيا عام 2024، لكنه لم يتمكن من تشكيل حكومة بسبب عدم امتلاكه العدد الكافي من المقاعد.

وتتمتع الولايات الألمانية بصلاحيات واسعة في مجالات مثل الشرطة والتعليم والثقافة، ما يجعل وصول الحزب إلى الحكم المحلي خطوة مهمة نحو ترسيخ نفوذه السياسي. وأثارت تصريحات الحزب بشأن مدرسة "باوهاوس" في ديساو، التي أغلقها النازيون عام 1933، انتقادات بسبب ما اعتبره خصومه استخدامًا للغة تذكر بالماضي النازي.

وتشير النتيجة إلى أن قواعد السياسة الألمانية قد تكون أمام اختبار جديد، إذ يضع الصعود الكبير لـ"البديل من أجل ألمانيا" ما يعرف بـ"الجدار الناري" أمام الأحزاب التقليدية تحت ضغط متزايد. فالحزب، رغم عدم امتلاكه أغلبية منفردة، بات قريبًا من تشكيل حكومة في ولاية ألمانية، ويسعى إلى الحصول على دعم نواب من أحزاب أخرى، ما يفتح نقاشًا حول مدى قدرة القواعد السياسية الحالية على احتواء نفوذه المتنامي. وبحسب تقرير "CNBC"، فإن الفوز لا يمثل مجرد نجاح انتخابي محلي، بل يعكس تحولًا أوسع في المشهد السياسي الألماني، خصوصًا مع تزايد شعبية الحزب في الولايات الشرقية.

وقد تمتد تداعيات هذا التحول إلى المستوى الاتحادي، مع انتقال جزء من الناخبين إلى أحزاب احتجاجية على اليمين واليسار، وسط استياء من الركود الاقتصادي وفقدان الوظائف. وبحسب تقرير "CNBC"، فإن النتيجة تزيد الضغوط على حكومة ميرتس وتؤثر في النقاشات السياسية والانتخابات المقبلة. وإذا تكرر هذا الاتجاه في ولايات أخرى، فقد يتحول صعود "البديل" من ظاهرة إقليمية إلى عامل يعيد تشكيل موازين القوى في ألمانيا ويجبر الأحزاب التقليدية على إعادة حساباتها السياسية.

وقالت شارلوت كنوبلوخ، الناجية من المحرقة والقيادية السابقة في الجالية اليهودية بألمانيا، إنها تجد صعوبة في التعرف إلى بلدها، داعية الأحزاب التقليدية إلى عدم الوقوف مكتوفة الأيدي أمام صعود الحزب.

حظي الفوز باهتمام واسع خارج ألمانيا؛ إذ نشر الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لقطة من نتائج الانتخابات على منصته "تروث سوشيال". كما رحب المبعوث الرئاسي الروسي كيريل دميترييف بالنتيجة، ووصفها بأنها "انتصار تاريخي"، بينما سبق لنائب الرئيس الأمريكي جيه دي فانس أن أعلن دعمه للحزب.

في المقابل، قال رئيس الوزراء البولندي دونالد توسك إن "الحمقى والخونة فقط" يمكن أن يفرحوا بفوز الحزب. ويرى قادة "البديل من أجل ألمانيا" أن نتيجة ساكسونيا-أنهالت تتجاوز حدود الولاية، وتمثل إشارة إلى ألمانيا بأكملها، في وقت يتصدر فيه الحزب استطلاعات الرأي الوطنية في مواجهة المحافظين والحزب الاشتراكي الديمقراطي.