تشهد الدبلوماسية الأمريكية في الولاية الثانية للرئيس دونالد ترامب تحولاً جذريًا يعيد صياغة طبيعة وجود واشنطن الدولي؛ حيث أدت التهديدات الرئاسية المتلاحقة والاعتماد المتزايد على المبعوثين الشخصيين إلى تفريغ السفارات من كوادرها المحترفة.
هذا الواقع الجديد دفع الحلفاء والخصوم على حد سواء، من أوروبا إلى آسيا، إلى تجاوز القنوات والمؤسسات الرسمية التقليدية، واستحداث مسارات بديلة وشبكات اتصال خلفية للتعامل مع سياسة خارجية باتت تُدار عبر الأفراد والولاءات الشخصية بدلاً من الأطر المؤسسية المستقرة.
وقد تجلى هذا الارتباك التاريخي عندما هدد ترامب إيران علنًا في 7 أبريل قائلاً إن "حضارة كاملة ستموت الليلة"، ما أثار ذعرًا واسعًا في العواصم الغربية حول احتمالية استخدامه للسلاح النووي، فضلاً عن المخاوف من استغلال روسيا للموقف لتكرار التهديد في أوكرانيا، وفقًا لزكالة رويترز.
وعندما هرعت الحكومات الأوروبية إلى وزارة الخارجية الأمريكية التماساً للإيضاح والتطمين، اصطدمت بحقيقة أن المسؤولين أنفسهم لا يملكون أدنى فكرة عما يقصده الرئيس.
هذا المشهد، الغير معلن سابقًا، يكشف عن فجوة عميقة في الاتصال؛ حيث تبحث الدول عن إجابات فلا تجد سوى سفارات صامتة أو غائبة، في ظل شغور أكثر من نصف المناصب الدبلوماسية الأمريكية حول العالم، مما يضعف قدرة واشنطن على فهم محيطها الدولي ويزيد من مخاطر التخبط العالمي.
وفي الوقت الذي تدافع فيه إدارة ترامب عن هذه التغييرات بوصفها خطوة لتعزيز الكفاءة وجعل عملية اتخاذ القرار أكثر مرونة، يعيش الحلفاء حالة من الترقب المستمر، فقد دفع هذا التذبذب دولاً مثل بريطانيا وفرنسا وألمانيا إلى تبني استراتيجية ضبط النفس والامتناع عن صدام مباشر مع مواقف الرئيس لتهدئة الأزمات، مفضلين الصمت أحيانًا كخيار آمن لامتصاص الاستفزازات.
التطهير الدبلوماسي
لكن هذا الخفض المستمر لثقل التهديدات يحمل في طياته مخاطر عدم الاستعداد للأزمات القادمة خاصة مع انتقال مراكز النفوذ وصنع القرار إلى دائرة ضيقة من المبعوثين، يتصدرهم صهر الرئيس، جاريد كوشنر، والمطور العقاري، ستيف ويتكوف، اللذان يفتقران إلى الكوادر النووية المتخصصة والخبرة الدبلوماسية العريقة، ما يثير انتقادات دولية حول كفاءة المفاوضات الفنية المعقدة.
ولم تسلم وزارة الخارجية ومجلس الأمن القومي من عمليات التطهير وإعادة الهيكلة الشاملة المستوحاة من خطط المحافظين؛ حيث شهدت الوزارة موجة إقالات واستقالات طالت آلاف الموظفين والسفراء المهنيين بدعوى محاربة الأيديولوجيات الراديكالية.
"زمالة بن فرانكلين"
تزامن هذا التطهير المؤسسي مع صعود روابط جديدة مثل "زمالة بن فرانكلين" المدعومة ماليًا من معهد "هيريتيج" الفكري، والتي تعمل كقناة بديلة تهدف إلى استبدال الكوادر الحالية بدبلوماسيين محافظين يدينون بالولاء المطلق لأجندة "أمريكا أولاً".
وقد ألقت هذه السياسات بظلالها القاتمة مباشرة على مناطق النزاع الملتهبة؛ حيث تجسد هذا التخبط في أوكرانيا عندما قطعت إدارة ترامب المساعدات العسكرية وتبادل المعلومات الاستخباراتية فجأة ودون أي إنذار مسبق للسفارة الأمريكية في كييف، مما تسبب في تعريض أمن البعثة الدبلوماسية للخطر ومحاصرتها في حالة من الغموض.
هذا التهميش الصارخ للقنوات الرسمية والاعتماد بدلاً منها على مراقبة حساب الرئيس على منصة "تروث سوشيال" لاستشراء التوجيهات السياسية، دفع السفيرة "بريجيت برينك" للاستقالة احتجاجًا على ما وصفته بنهج "المهادنة" مع موسكو وإلقاء اللوم على أوكرانيا.
وأمام هذا المشهد المتغير، سارعت القوى الدولية للتكيف مع الهيكل الجديد لواشنطن؛ فلجأت كوريا الجنوبية لبناء قنوات مباشرة مع رئيسة موظفي البيت الأبيض، سوزي وايلز، لفهم حقيقة الرسوم الجمركية، بينما استعانت اليابان بملياردير قطاع التكنولوجيا، ماسايوشي سون، كخط اتصال خلفي للوصول إلى ترامب مباشرة.
هذا التحول يؤكد أن السلطة الخارجية الأمريكية باتت تتركز بشكل مطلق في يد شخص واحد يتخذ قراراته بشكل مفاجئ، مما يجبر العالم على إعادة حساباته والتعامل مع الإشارات المتقلبة للقوة العظمى عبر مسارات غير تقليدية.











