على مدار الأسابيع الأخيرة، بعد إطلاق الولايات المتحدة وإسرائيل ضربات عسكرية على إيران، تصاعدت التساؤلات حول مدى تحقيق ترامب لأهدافه. المشهد كان مزدحمًا بالبيانات الرسمية، والتصريحات الإعلامية، وسط جدل واسع حول تأثير العمليات على إيران والاستراتيجية الأمريكية على المدى الطويل.
ومنذ اليوم الأول، عقد وزير الدفاع الأمريكي، بيت هيغسيث، مؤتمرات عدة في مقر البنتاغون، وأبرز هيغسيث أسلوبه المعروف بالتواصل التلفزيوني المباشر، حيث قدم مزيجًا من عرض الإنجازات العسكرية والتصريحات المثيرة أمام الإعلام، مشددًا على قوة الولايات المتحدة في كل إحاطة.
وفي كل تحديث، أكد هيغسيث أن العمليات الجوية تهدف إلى تحقيق "نصر عسكري ساحق"، مع الإشارة إلى الضربات المكثفة التي أسفرت عن تدمير أهداف متعددة. وأشاد بالتفوق التقني الأمريكي، مشيرًا إلى استخدام الطائرات المسيّرة وصواريخ توماهوك وأنظمة المراقبة الدقيقة، مع التفاخر بقدرة الجيش الأمريكي على تنفيذ العمليات بسرعة وكفاءة.
القضية النووية الإيرانية
كان الهدف الرئيسي للحرب منع إيران من تطوير قدرات نووية عسكرية، وهو الهدف الذي أعلن عنه الرئيس ترامب مرارًا. لكن إيران أكدت أنها لا تسعى لامتلاك سلاح نووي، وأن برنامجها مخصص لأغراض سلمية. وعلى الصعيد الدبلوماسي، كان اتفاق 2015 المعروف باسم خطة العمل الشاملة المشتركة هو الإطار الذي حاولت الولايات المتحدة الاستفادة منه، لكن انسحاب ترامب وإعادة فرض العقوبات على إيران حول النزاع إلى مواجهة عسكرية مباشرة.
وخلال العمليات، أعلن ترامب أن الضربات الجوية ألحقت أضرارًا كبيرة بالمواقع النووية في أصفهان وفوردو وناتانتز، مؤكدًا أن القدرات النووية الإيرانية قد "دُمّرت". ومع ذلك، أشارت تقارير دولية إلى أن إيران لا تزال تمتلك مخزونًا من اليورانيوم المخصب، موزعًا على أسطوانات مخزنة تحت الأنقاض. وأوضح رافائيل جروسي، مدير الوكالة الدولية للطاقة الذرية، أنه لا يمكن لأي عمل عسكري منفرد أن يوقف طموحات إيران النووية، وأن الحل النهائي يتطلب مفاوضات دبلوماسية طويلة الأمد.
وفي ظل الهدنة الحالية، لم تظهر أي مؤشرات على تحقيق تقدم حقيقي في ملف إيران النووي، في حين تستمر طهران في الموقف الرافض للتعاون بشأن إزالة المواد النووية من المواقع العميقة. ويبدو أن إيران، في ظل القيادة الحالية، قد تصبح أكثر تصميمًا على الحفاظ على قدرتها النووية كوسيلة ردع ضد أي اعتداء مستقبلي.
القدرات العسكرية الإيرانية
عند إعلان ترامب الحرب، كانت أهدافه تتضمن تغييرات جذرية في النظام الإيراني، بما في ذلك فرض استسلام "غير مشروط". لكنه لم يحقق هذه الغاية. وعلى الرغم من استهداف شخصيات بارزة، بما في ذلك المرشد الأعلى آية الله علي خامنئي، تم تعيين ابنه مجتبى خليفة له، وهو ما أكد استمرار النظام في السيطرة.
وفيما يتعلق بالقدرات العسكرية التقليدية، زعمت الإدارة الأمريكية أن الضربات دمرت صواريخ إيران ومنصات الإطلاق والطائرات المسيّرة ومصانع الأسلحة وقواتها البحرية. ومع ذلك، كشفت تقييمات استخباراتية مسربة أن إيران ما زالت تحتفظ بنحو نصف ترسانتها السابقة، ما يشير إلى أن القدرات العسكرية لم تُضعف بالكامل. ولم تتمكن وسائل الإعلام الدولية، بما في ذلك هيئة الإذاعة البريطانية "بي بي سي"، من التحقق من صحة هذه الادعاءات.
ومع مرور الوقت، تغيرت الأهداف المعلنة للحرب، إذ فشل الهدف الأمريكي الإسرائيلي المتمثل في تغيير النظام، وتركزت العمليات على تقليص القدرات العسكرية التقليدية فقط.
الخسائر البشرية والمالية
أسفرت العمليات عن مقتل ثلاثة عشر جنديًا أمريكيًا، وإصابة المئات، كما استُهلكت كميات ضخمة من الذخيرة، بما فيها صواريخ توماهوك، وبلغت تكلفة الحرب أكثر من مليار دولار يوميًا، وفق مسؤولين أمريكيين.
وعلى الصعيد السياسي الداخلي، واجه ترامب انتقادات حادة، إذ أظهرت استطلاعات الرأي أن غالبية الأمريكيين يعارضون الحرب. وشهدت حركة "لنجعل أمريكا عظيمة مجددًا" انقسامات داخلية، مع انسحاب شخصيات بارزة مثل الصحفي تاكر كارلسون، بسبب تصاعد التهديدات الأمريكية ضد إيران.
وانتقد الديمقراطيون إدارة ترامب أيضًا، خاصة بعد سقوط ضحايا مدنيين، مثل الغارة على مدرسة في بلدة ميناب، التي أسفرت عن مقتل 168 شخصًا، بينهم 110 أطفال. وأكد البنتاغون أنه يجري تحقيقات، لكنها لم تُستكمل بعد ستة أسابيع من الحادثة. وطالب عدد من المشرعين بتفعيل التعديل الخامس والعشرين لسحب السلطة من الرئيس، بينما أكدت المتحدثة باسم ترامب، كارولين ليفيت، أن تهديدات الرئيس أضطرّت إيران للتراجع، وأنه ما زال قادرًا على تعزيز مصالح الولايات المتحدة.
الأزمة الاقتصادية وتأثيرها على الداخل
أدى إغلاق مضيق هرمز إلى ارتفاع أسعار الوقود والديزل في الولايات المتحدة، ما انعكس على أسعار المواد الغذائية، وزاد من الضغوط على الأسر الأمريكية. ومن المتوقع أن تؤثر هذه التطورات سلبَا على نتائج الحزب الجمهوري في الانتخابات النصفيّة المقبلة، وربما تؤدي إلى فقدان السيطرة على مجلس النواب أو مجلس الشيوخ.
من جانبها، لجأت إيران إلى أساليب تمرد للرد على الهجمات الجوية التقليدية، وأصبح مضيق هرمز محورًا أساسيًا في الصراع، ما دفع ترامب للتردد في تحديد موقفه تجاه حلفاء أمريكا. فقد طلب الدعم منهم، ثم أعلن أن الولايات المتحدة لا تحتاج لمساعدتهم، ثم وصف بعض الحلفاء القدامى بـ"الجبناء"، ما أبرز ضعف التماسك داخل الناتو.
وتشير التقييمات إلى أن التفوق العسكري الأمريكي لا يضمن استمرار التفوق العالمي على المدى الطويل، خاصة مع سعي الدول الأوروبية لتقليل الاعتماد على واشنطن. وقد يفتح هذا الباب أمام الصين لتحقيق مكاسب استراتيجية واقتصادية، ما أثار انتقادات واسعة لسياسات ترامب في واشنطن.
وحتى الآن، لم يتم تقييم كامل للتكاليف الاقتصادية والسياسية لهذه الحرب، وإذا فشلت الهدنة أو المفاوضات القادمة، فمن المرجح أن تكون العواقب أشد وطأة على الولايات المتحدة، سواء عسكريًا أو اقتصاديًا أو سياسيًا.
اقرأ أيضًا:
نتنياهو: سنبدأ مفاوضات مباشرة مع لبنان
9 مليارات دولار.. مكاسب روسية ضخمة من أزمة الطاقة الإيرانية
ترامب يترقب مصير أقوى حليف له في أوروبا











