قالت الأمم المتحدة إن الانتهاكات الجسيمة المرتكبة في السودان تحمل مؤشرات واضحة على وقوع جرائم ترقى إلى الإبادة الجماعية، وذلك استنادًا إلى نتائج بعثة تقصي الحقائق التابعة لها بشأن ما جرى في مدينة الفاشر بإقليم دارفور.
وذكرت البعثة أن الوقائع التي صاحبت الحصار الطويل لمدينة الفاشر والسيطرة عليها، بما في ذلك طبيعة الانتهاكات ونطاقها، تقود إلى استنتاج مفاده أن ما حدث يندرج ضمن الجرائم المصنفة دوليًا كإبادة جماعية. وكانت قوات الدعم السريع قد فرضت حصارًا على المدينة استمر نحو 18 شهرًا، قبل أن تتمكن من السيطرة عليها في أواخر أكتوبر، في واحدة من أكثر مراحل النزاع السوداني دموية منذ اندلاعه.
وأشارت الأمم المتحدة إلى أن هذه التطورات تمثل أخطر توصيف تصدره المنظمة حتى الآن بشأن سلوك قوات الدعم السريع خلال النزاع الحالي في دارفور، دون أن يصدر تعليق رسمي جديد من جانب هذه القوات، التي سبق أن نفت اتهامات مماثلة.
وقالت خبيرة بعثة تقصي الحقائق، منى رشماوي، إن الأدلة التي جمعتها البعثة، وتشمل الحصار والتجويع المتعمد وعرقلة وصول المساعدات الإنسانية، إضافة إلى القتل الجماعي والاغتصاب والتعذيب والاختفاء القسري والإذلال المنهجي، فضلًا عن إفادات منسوبة لمرتكبي الانتهاكات أنفسهم، تقود إلى استنتاج واحد مفاده أن قوات الدعم السريع تصرفت بقصد تدمير مجتمعات الزغاوة والفُر في الفاشر كليًا أو جزئيًا، وهي سمات تُعرّف الإبادة الجماعية وفق القانون الدولي.
ممارسات تندرج تحت الإبادة الجماعية
أوضح التقرير أن المحققين توصلوا إلى وقوع ثلاثة أفعال على الأقل من أفعال الإبادة الجماعية، شملت قتل أفراد من جماعات عرقية محمية، وإلحاق أذى جسدي ونفسي بالغ بهم، وفرض ظروف معيشية قاسية بقصد التدمير المادي لتلك الجماعات جزئيًا أو كليًا. وبيّنت البعثة أنها لم تتمكن من دخول مدينة الفاشر ميدانيًا، إلا أن تقريرها استند إلى أكثر من 320 مقابلة مع ناجين وشهود، إلى جانب تصريحات علنية لقيادات في قوات الدعم السريع، ومقاطع مصورة وصور أقمار صناعية جرى التحقق من صحتها.
وفي ردود الفعل الدولية، وصفت وزيرة الخارجية البريطانية إيفيت كوبر نتائج التقرير بأنها “مروعة للغاية”، مؤكدة عزمها عرض خلاصاته على مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة، مع الدعوة إلى فتح تحقيقات جنائية دولية لمحاسبة المسؤولين وضمان العدالة للضحايا، إضافة إلى وقف تدفق السلاح الذي يغذي الصراع. ويعود النزاع المسلح في السودان إلى أبريل 2023، إثر صراع على السلطة بين الجيش النظامي وقوات الدعم السريع بشأن مستقبل دمج الميليشيات في المؤسسات الأمنية، قبل أن يتحول إلى حرب واسعة النطاق امتدت إلى معظم أنحاء البلاد، مدفوعة بتوترات محلية وانقسامات عرقية عميقة.
وفي إقليم دارفور، أوضح التقرير أن الميليشيات العربية التي تشكل العمود الفقري لقوات الدعم السريع استهدفت مجموعات غير عربية تعتبرها خصومًا، مستخدمة أنماط عنف مشابهة لتلك التي شهدها الإقليم قبل نحو عقدين، عندما ارتُكبت مجازر واسعة بحق مئات الآلاف من المدنيين من أصول أفريقية. وأشار المحققون إلى أن الفاشر تعرضت خلال الحصار لتجويع وتدمير ممنهجين، ما أدى إلى إضعاف السكان المستهدفين وتجريدهم من القدرة على حماية أنفسهم، قبل أن يتعرضوا لموجة عنف شديدة أعقبت اقتحام المدينة. وذكر التقرير أن آلاف الأشخاص، ولا سيما من قبيلة الزغاوة، قُتلوا أو تعرضوا للاغتصاب أو الاختفاء القسري خلال أيام قليلة، وسط فشل قوات الدعم السريع في التمييز بين المدنيين والمقاتلين.
ووصف التقرير سلوك القوات في الفاشر بأنه امتداد لأنماط سابقة من الانتهاكات، لكن على نطاق أكثر فتكًا، محذرًا من أن غياب المساءلة والوقاية يبقي خطر تكرار جرائم الإبادة قائمًا. وفي هذا السياق، كلّف مجلس حقوق الإنسان في جنيف بعثة التحقيق بتحديد المشتبه فيهم قدر الإمكان، تمهيدًا لمحاسبتهم. وسمّى التقرير قائد قوات الدعم السريع الفريق محمد حمدان دقلو، المعروف بـ“حميدتي”، إلى جانب المتحدث باسم القوات، المقدم الفاتح القرشي، مشيرًا إلى تصريحات وظهور علني احتفالي عقب السيطرة على المدينة.
أفعال منظمة وليست فردية
لفت التقرير إلى أن حميدتي أقر بوقوع “انتهاكات” خلال العملية، واصفًا الفاشر بأنها “كارثة”، ومبررًا الهجوم بدواعٍ عسكرية، رغم إصداره أوامر لمقاتليه بعدم إيذاء المدنيين أو قتل الأسرى، وهي أوامر قال المحققون إنها لم تُدعّم بإجراءات ملموسة، في ظل عدم تعاون القوات مع بعثة التحقيق. وأكدت الأمم المتحدة أن حجم العملية وتنسيقها ودعم القيادة العليا لها يدل على أنها كانت مخططة ومنظمة ضمن هيكل قيادي واضح، وليست أفعالًا فردية معزولة. كما أشار التقرير إلى اعتقال قائد ميداني يُعرف باسم “أبو لولو” بعد تداول مقاطع مصورة توثق انتهاكاته، دون تلقي معلومات عن أي إجراءات قضائية بحقه.
وأوضحت البعثة أنها لم تحظَ بتعاون يُذكر من السلطات السودانية، وهو ما وصفته كوبر بأنه سلوك “مخزٍ وغير مقبول” من طرفي النزاع. ولم يشمل تفويض البعثة التحقيق في أدوار داعمين خارجيين، إلا أن التقرير أشار إلى وجود مرتزقة أجانب مزودين بأسلحة وأنظمة اتصالات متطورة شاركوا في العمليات.
وأفادت البعثة بأنها تتواصل مع عدد من الدول بشأن معلومات وصفتها بالموثوقة حول تورط محتمل، على أن تُرفع تقارير لاحقة بهذا الشأن. وفي هذا السياق، تطرقت تقارير إعلامية إلى دور محتمل لـالإمارات العربية المتحدة، وهو ما نفته أبوظبي بشدة، مؤكدة أن تقرير تقصي الحقائق لم يذكرها ولم يقدم أدلة تربطها بانتهاكات القانون الدولي في السودان، مع إدانتها في الوقت ذاته للانتهاكات الجسيمة التي وثقها المحققون من جميع الأطراف.
ودعت بعثة الأمم المتحدة المجتمع الدولي إلى تشديد إنفاذ حظر السلاح المفروض على دارفور وتوسيعه ليشمل باقي أنحاء السودان، وفرض عقوبات موجهة لضمان المساءلة، والتعاون الكامل مع المحكمة الجنائية الدولية، إضافة إلى دراسة إنشاء آلية قضائية موازية. وأكدت كوبر أهمية مواصلة التحقيق في انتهاكات حظر السلاح، وتسليط الضوء على العنف الجنسي الواسع النطاق، الذي وصفته بأنه “حرب ضد أجساد النساء”، مشددة على أن الأولوية القصوى تتمثل في وقف إطلاق النار وضمان وصول المساعدات الإنسانية ودعم الناجين.
وتسعى جلسة مجلس الأمن إلى تحريك الجهود نحو هدنة إنسانية طال انتظارها، في وقت لا يزال فيه المدنيون يدفعون ثمن استمرار القتال، وسط اعتماد الطرفين المتحاربين على دعم خارجي متزايد. وختمت كوبر بالقول إن العالم لا يزال يخفق في حماية الشعب السوداني، مؤكدة أن رئاسة المملكة المتحدة لمجلس الأمن ستعمل على منع تجاهل هذه الفظائع وإبقائها في صدارة الاهتمام الدولي.
اقرأ أيضًا:
إنفوجرافيك| تسلسل هجمات قوات الدعم السريع ضد المدنيين
إنفوجرافيك| دور أبو ظبي الخفي في حرب السودان
إثيوبيا تبني معسكر تدريب سري لمقاتلي قوات الدعم السريع










