عادت قضية جيفري إبستين إلى واجهة الجدل السياسي والقانوني في الولايات المتحدة، مع الكشف عن وثائق جديدة أعادت طرح العديد من الأسئلة حول الشفافية وحدود المساءلة داخل وزارة العدل الأميركية.
وكان نائب المدعي العام تود بلانش قد تعهّد الشهر الماضي بأن الوزارة «لا تحمي أحدًا»، مؤكدًا أن ذلك يشمل دونالد ترامب. غير أن هذه التطمينات واجهت تدقيقًا متجددًا بعد التطورات الأخيرة في ملف إبستين، خاصة عقب إتاحة الكونغرس الأميركي نسخًا غير محجوبة من وثائق التحقيق ضمن عمليات نشر واسعة.
حجب الأسماء يعمّق الشكوك
ووفقًا لتقرير شبكة " CNN" أعرب مشرّعون عن حيرتهم مما ورد في الوثائق، مشيرين إلى استمرار حجب أسماء بعض الأشخاص. وقال النائب الديمقراطي عن ولاية ماريلاند، جيمي راسكين: «لم نكن نريد تسترًا، لكن ما اطّلعنا عليه يتضمن العديد من الأمثلة على حجب أسماء الأشخاص عندما لم يكونوا ضحايا ».
وجاءت مراجعة الوثائق في وقت تتصاعد فيه تداعيات القضية التي كشفت شبكة علاقات عالمية ضمّت مليارديرات وشخصيات نافذة ارتبطت بالمجرم الجنسي الراحل، ما أثار مخاوف جديدة بشأن تعامل وزارة العدل مع القضية. وفي أوروبا، تزايدت المطالبات بالمحاسبة بعد أن ألحقت الفضيحة أضرارًا كبيرة بسمعة ومسارات سياسية لشخصيات مؤثرة.
في المقابل، تجددت شكوك الناجيات حول تعطّل مسار العدالة، عقب تقارير عن عرض استثنائي قدّمته محامية غيسلين ماكسويل شريكة إبستين المسجونة إلى ترامب، يتضمن منح عفو لماكسويل المدانة بالاتجار الجنسي مقابل تبرئة الرئيس، وفق ما تم تداوله.
لم يوجّه المشرّعون الذين اطّلعوا على بعض النسخ غير المنقّحة من ملفات جيفري إبستين اتهامات مباشرة إلى وزارة العدل الأميركية بالتستّر، غير أنّ ما خلصوا إليه يُرجّح تعميق فجوة الثقة لدى عدد من زملائهم ولدى الرأي العام بشأن طريقة إدارة القضية. ويبرز ذلك في استمرار حجب أسماء أشخاص ارتبطوا بإبستين ضمن الإفصاحات العلنية، مقابل ظهور أسماء بعض الضحايا.
مطالبات بالكشف عن الأسماء المحجوبة
وبعد ضغوط برلمانية، أقدمت وزارة العدل يوم الاثنين على رفع التنقيح عن عدد إضافي من الأسماء. وقال النائب الجمهوري توماس ماسي عن ولاية كنتاكي، في تصريحات لشبكة CNN عبر مذيعتها كايتلان كولينز، إن هويات عدة أشخاص وردت أسماؤهم في وثيقة صادرة عام 2019 جرى تنقيحها سابقًا، رغم تضمّنها قائمة بما وُصفوا بـ«المتآمرين المزعومين» مع إبستين.
طالب النائب الديمقراطي جيمس والكنشو بإجابات حول استمرار حجب الأسماء في ملف جيفري إبستين، مؤكدًا اطّلاعه على مراسلات تشير إلى تورط أو علم بعض الأسماء بجرائم محتملة، دون مبرر قانوني واضح للحجب.
من جهته، قال جيمي راسكين إن الوزارة لم تفسّر أسباب بعض التنقيحات، واصفًا إياها بـ«المريبة». فيما أشار جاريد موسكوفيتز إلى وجود «الكثير من الأسماء والمتآمرين» ضمن شبكة اتجار بالفتيات حول العالم.
كان يفترض أن تقتصر وزارة العدل الأميركية على حجب بيانات الضحايا وما قد يضرّ التحقيقات الجارية، لكنها لم تُسلّم الكونغرس الأميركي حتى الآن سجلًا يوضح أسباب الحجب، رغم إلزامها بذلك قانونيًا.
ويُتوقّع أن تواجه المدعية العامة بام بوندي جلسة استماع صعبة في مجلس النواب، وسط اتهامات ديمقراطية بعدم الالتزام بقانون شفافية ملفات إبستين، فيما عبّر مُعدّا القانون رو خانا وتوماس ماسي عن خيبة أملهما من أداء الوزارة.
مساومة علنية في ملف إبستين
شهد يوم الاثنين تطورًا جديدًا لافتًا في قضية جيفري إبستين، بعدما أدلت شريكته المسجونة غيسلين ماكسويل بشهادتها أمام لجنة في مجلس النواب الأميركي عبر الاتصال من سجنها في تكساس، لكنها لجأت إلى التعديل الخامس لتفادي تجريم نفسها.
وخلال الجلسة، قدّم محاميها ديفيد أوسكار ماركوس عرضًا مثيرًا للجدل، مؤكدًا استعداد ماكسويل للإدلاء بشهادة «كاملة وصادقة» مقابل حصولها على عفو من دونالد ترامب، مشددًا على أن الرئيسين ترامب وبيل كلينتون «بريئان من أي مخالفة».
ورغم عدم توجيه أي اتهامات جنائية لأي من الرئيسين في قضية إبستين، فإن طرح العفو أعاد الجدل حول استخدام صلاحياته، خصوصًا في ظل تشكيك واسع في مصداقية أي شهادة قد تقدمها ماكسويل سعيًا لتحسين وضعها القانوني، مع بقاء احتمال العفو مطروحًا في ظل سوابق ترامب المثيرة للجدل في هذا الملف.
تداعيات أوروبية
أدّى اتساع الشعور بالإفلات من المساءلة في الولايات المتحدة إلى تعميق التباين مع أزمة سياسية متصاعدة في أوروبا، ولا سيما في بريطانيا، حيث يواجه رئيس الوزراء كير ستارمر ضغوطًا متزايدة بسبب تعيين بيتر ماندلسون الصديق السابق لإبستين سفيرًا في واشنطن.
وفي خطوة غير مسبوقة، أعلن الملك تشارلز الثالث استعداده للتعاون مع أي تحقيقات تتعلق بشقيقه الأمير أندرو، فيما عبّر الأمير ويليام وزوجته الأميرة كاثرين عن تضامنهم مع ضحايا إبستين.
وامتدت التداعيات إلى دول أوروبية أخرى، إذ فتحت النرويج تحقيقًا مع دبلوماسي سابق بتهم «فساد جسيم»، بينما لاحقت الشبهات وزير ثقافة فرنسيًا سابقًا، وتحقّق بولندا في صلات محتملة بين المدان ودوائر استخبارات روسية.
بين أمريكا وبريطانيا.. مسار محاسبة مختلف
ومن جانبه أشاد عضو في مجلس النواب الأميركي عن الحزب الديمقراطي. رو خانا بما وصفه بـ«التناقض الصارخ» بين المملكة المتحدة والولايات المتحدة في مسار المحاسبة. وقال إن بريطانيا تشهد مساءلة فعلية، سواء للحكومة اليسارية برئاسة كير ستارمر في ملف ماندلسون، أو للمؤسسة الملكية التي يصدر عنها ملك إنجلترا بيانات رسمية، مضيفًا: «هذا النوع من المحاسبة لم نره في بلدنا».
تظل قضية جيفري إبستين معقدة، إذ لم توجه اتهامات جنائية لأي من الأشخاص الذين تواصلوا معه باستثناء شريكته غيسلين ماكسويل، وهو ما لا يعني بالضرورة وجود تستر، كما ان الادلة المتاحة قد لا تقود الى هذا الاستنتاج. لكن تصاعد المطالب بالمحاسبة يثير تساؤلات حول ما كان يعرفه محيط إبستين من اصحاب النفوذ، ومعظمهم من الاغنياء، عن انشطته وجرائمه، خصوصا بعد خروجه من السجن عام 2009 عقب قضاء عقوبة لمدة 13 شهرا.
وفي الولايات المتحدة، اقتصرت التداعيات غالبا على الاضرار بالسمعة دون اجراءات رسمية، اذ ابتعد لاري سامرز عن الحياة العامة بعد تسريب مراسلات محرجة، فيما استقال براد كارب من رئاسة مجلس ادارة شركة بول وايس بسبب علاقاته بابستين.
وعلى النقيض، لا تزال اليات التحقيق والمساءلة في اوروبا اكثر استقلالية، بينما تواجه وزارة العدل الاميركية انتقادات بضعف الملاحقة، في ظل ادارة موالية لـدونالد ترامب دعت الى تجاوز الماضي.
وفي هذا السياق، يواجه بيتر ماندلسون تحقيقا جنائيا في اوروبا بتهمة تسريب معلومات حكومية حساسة الى إبستين، وقد اعتذر عن علاقاته السابقة واستقال من حزب العمال ومجلس اللوردات، وهي خطوات يصعب تصورها في واشنطن.
وبينما تبدو الصدمة واضحة في اوروبا، يطرح مراقبون تساؤلا حول سبب خفوت رد الفعل في الولايات المتحدة، هل انهكتها كثرة الفضائح ام ان نفوذ المال في السياسة جعل القضية اقل حضورا، فيما تتواصل الكشوفات حول شبكة إبستين العالمية التي ضمت سياسيين من الحزبين ومؤثرين وقيادات اعمال ومؤسسات دولية واكاديمية ومليارديرات.
اقرأ أيضًا:
شريكة إبستين تعرض تبرئة ترامب مقابل عفو رئاسي
الملك تشارلز يدعم التحقيقات مع الأمير أندرو بشأن إبستين
ملفات إبستين تكشف عن أسماء بارزة جديدة في عالم التقنية












