تقف اليمن اليوم في قلب استراتيجية سعودية عابرة للأزمات تتجاوز في أبعادها الدعم العسكري التقليدي لتشكل نموذجًا فريدًا في هندسة البقاء وصناعة الاستقرار الوطني الشامل.
وتمثل القراءة الفاحصة لهذا الدور الممتد منذ عام 2015 وحتى مطلع عام 2026 نهجاً مؤسسياً يربط بصرامة بين العمل الإنساني والتنمية المستدامة والتمكين السياسي.
وتعمل الرياض من خلال هذه الرؤية على سد الفجوات التمويلية الضخمة للحكومة اليمنية وإعادة بناء البنية التحتية المتهالكة التي دمرتها سنوات الصراع.
ويظهر جليًا أن المساعدات السعودية لم تعد مجرد استجابة لظروف طارئة بل تحولت إلى استراتيجية شاملة متعددة الأبعاد تشمل المسارات الاقتصادية والإنسانية والتنموية.
استقرار اقتصاد اليمن يرتكز على المساعدات السعودية
تشير الإحصاءات أن الاستقرار الاقتصادي في اليمن بات يعتمد بشكل مباشر على حزم الدعم المالي السعودي التي تمنع الانهيار الكامل للريال اليمني.
ويواجه الاقتصاد تحديات وجودية تتمثل في انكماش الناتج المحلي الإجمالي بنسبة تقارب 2% مع توقعات بانكماش إضافي.
وبادرت المملكة بالتدخل بحزم دعم مالي ضخمة لتأمين الموازنة العامة للدولة ومنع توقف الخدمات الأساسية، حيث تجاوزت الودائع والمنح المالية السعودية لصالح البنك المركزي اليمني سقف 3.2 مليار دولار بحلول نهاية عام 2024.
وقدمت المملكة في ديسمبر 2024 حزمة دعم بقيمة 500 مليون دولار تضمنت وديعة بـ 300 مليون دولار لدعم الاستقرار النقدي و200 مليون دولار لدعم عجز الموازنة.
وتلا ذلك دعم مالي في سبتمبر 2025 بقيمة 368 مليون دولار ثم منحة جديدة في يناير 2026 بقيمة 1.38 مليار ريال سعودي.
وساهم هذا الدعم المالي المكثف في تجنب الانهيار الاقتصادي الشامل وفقًا لتقارير صندوق النقد الدولي، حيث تعمل آلية الدعم على تعزيز المالية العامة وتنمية قدرات المؤسسات الحكومية وتمكين القطاع الخاص من دفع عجلة النمو المستدام.
وتعد منحة المشتقات النفطية السعودية أحد أهم روافد الاستقرار المعيشي في اليمن حيث تهدف لتشغيل محطات توليد الكهرباء.
وقدمت المملكة في عام 2021 وحده منحة بقيمة 422 مليون دولار وفرت آلاف الأطنان من الديزل والمازوت لـ 80 محطة كهرباء.
واستمرت هذه المنح وصولًا إلى عام 2026 حيث وصلت دفعات جديدة بقيمة 200 مليون دولار لضمان استقرار الطاقة في المحافظات المحررة.
وتعتمد السعودية في إدارة هذه المنح على منصة المشتقات النفطية "FTS" لضمان الشفافية والحوكمة في التوزيع.
استثمار في التنمية
يظهر البرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن كذراع تنموي رئيسي نفذ أكثر من 265 مشروعًا ومبادرة تنموية في 14 محافظة يمنية.
وتبلغ التكلفة الإجمالية لمشاريع البرنامج نحو 1.14 مليار دولار موزعة على 8 قطاعات حيوية.
ودشن البرنامج في يناير 2026 حزمة مشاريع كبرى بقيمة 1.9 مليار ريال سعودي تشمل 28 مشروعًا ومبادرة جديدة، والتي تهدف إلى تعزيز الاستقرار في 10 محافظات يمنية مع التركيز على مشاريع استراتيجية غير مسبوقة.
ويشمل الدعم التنموي إنشاء أول محطة لتحلية المياه في عدن لتحقيق الأمن المائي المستدام، بينما ويجري العمل على إنشاء محطة توليد كهرباء بقدرة 30 ميجاوات في محافظة تعز لإنهاء أزمة الطاقة الحادة.
وفي قطاع التعليم يتم بناء 30 مدرسة نموذجية سنوياً في 7 محافظات لرفع كفاءة العملية التعليمية. وتبرز مدينة الملك سلمان الطبية في المهرة كأحد أضخم المشاريع الصحية لتوفير رعاية تخصصية شاملة.
ويعد قطاع النقل ركيزة أساسية حيث تم تخصيص أكثر من 103 مليون دولار لتطوير المطارات والموانئ والطرق.
وشملت الإنجازات إعادة تأهيل مطار عدن الدولي ودعم مطار سيئون بعربات إسعاف وإطفاء متطورة، كما تم تطوير ميناء نشطون ومنفذ الوديعة الحدودي لتسهيل الحركة التجارية.
وساهم تأهيل طريق العبر الاستراتيجي في خدمة أكثر من 11 مليون مواطن يمني محولاً إياه إلى شريان حياة، كما نفذ البرنامج في قطاع التعليم 56 مشروعًا شملت بناء مدارس نموذجية وتطوير الجامعات الوطنية.
وشهد عام 2026 تركيزًا على مشروع الشهادات الدولية المهنية في التدريس لتدريب المعلمين في عدن وحضرموت وتعز.
وقدم مستشفى الأمير محمد بن سلمان في عدن أكثر من 2.8 مليون خدمة طبية بين عامي 2023 و2025.
تنمية اليمن تتسارع عبر مشاريع البرنامج السعودي لإعادة الإعمار
يحتل اليمن صدارة الدول المستفيدة من مساعدات مركز الملك سلمان للإغاثة والأعمال الإنسانية بتكلفة إجمالية بلغت 4.69 مليار دولار.
وشملت هذه المساعدات تنفيذ 1192 مشروعًا استهدفت الأمن الغذائي والصحة والتنسيق الإنساني، وتظهر الإحصائيات تركيزًا كبيرًا على قطاع الأمن الغذائي والزراعي بواقع 149 مشروعًا وبتكلفة تجاوزت 1.4 مليار دولار.
ونفذ المركز في قطاع الصحة 683 مشروعًا بتكلفة تجاوزت مليار دولار لضمان وصول الرعاية الطبية للمحتاجين.
وشملت المشاريع قطاعات المياه والإصحاح البيئي والإيواء والمواد غير الغذائية والتغذية، واعتمدت في مطلع عام 2026 مشاريع جديدة في قطاعات الصحة والمياه والتعافي المبكر.
وتمنع هذه المشاريع انزلاق البلاد نحو مجاعة شاملة وتساهم في الحد من انتشار الأوبئة مثل الكوليرا وحمى الضنك.
ويبرز مشروع مسام لنزع الألغام كأحد أنبل المبادرات لتطهير الأراضي اليمنية من مخلفات الحرب، حيث حقق بحلول يناير 2026 حصيلة قياسية بتطهير أكثر من 75 مليون متر مربع من الأراضي، وتم نزع 531,868 لغمًا وذخيرة وعبوة ناسفة حتى مطلع العام الجاري.
وشملت المنزوعات 7,006 لغمًا مضادًا للأفراد و148,800 لغمًا مضادًا للدبابات، وتم إتلاف 366,534 ذخيرة غير منفجرة و8,347 عبوة ناسفة زرعت بشكل عشوائي.
ويدرب مشروع مسام 32 فريقًا ميدانيًا من الكوادر اليمنية المحلية لتمكينهم من تحمل المسؤولية ميدانيًا، وقد ساهم هذا الجهد في عودة المزارعين إلى حقولهم وفتح الطرقات وتأمين المدارس للأطفال.
وتطور الدور العسكري السعودي من الاستجابة الميدانية المباشرة إلى التركيز على بناء قدرات المؤسسة الأمنية، إذ تقود المملكة مبادرة دولية بمشاركة 40 دولة لتعزيز دور خفر السواحل اليمني في حماية الملاحة، وتم الإعلان عن تأسيس الأمانة العامة لأمن الملاحة البحرية في اليمن لمكافحة القرصنة والتهريب.
وتتضمن الخطة العشرية التي انطلقت في 2025 إعادة بناء شاملة لقدرات خفر السواحل وتجهيزه بالسفن السريعة.
وركزت المرحلة الأولى على تأمين عدن والسواحل المحيطة بها مع خطة للتوسع في كافة المياه الإقليمية.
ودعمت السعودية تشكيل اللجنة العسكرية العليا لدمج وتوحيد كافة التشكيلات المسلحة تحت قيادة وطنية موحدة.
وتهدف هذه الجهود إلى إنهاء الانقسامات المسلحة وضمان احتكار الدولة لقرار السلم والحرب.
وتتبنى المملكة في مشاريعها الأخيرة حلولًا قائمة على الطاقة المتجددة لضمان استدامة الخدمات، وتم تنفيذ مشاريع لإنارة الطرقات بالطاقة الشمسية في أربع محافظات بأكثر من 1090 نظام إضاءة.
واستخدمت الطاقة المتجددة بنسبة 100% في أنظمة ضخ المياه الريفية في عدة مديريات، وتعتمد المراكز الصحية في جبل حبشي والخوخة والشمايتين على الطاقة المتجددة لتشغيل المعدات الطبية.
أمن اليمن القومي يتحقق بتطهير الأراضي من الألغام وتأمين الممرات المائية الدولية
تبنت المملكة العربية السعودية منذ بداية الأزمة رؤية سياسية تقوم على أولوية الحل السياسي الشامل المستند إلى المرجعيات الثلاث.
وعملت الدبلوماسية السعودية بمرونة عالية لتوحيد الجبهة الداخلية اليمنية لضمان بقاء الدولة ومؤسساتها.
وشكل اتفاق الرياض الموقع في نوفمبر 2019 تحولًا جوهريًا في مسار الأزمة لإنهاء التوترات الداخلية.
ونجح الاتفاق في نزع فتيل التوتر بين الحكومة الشرعية والمجلس الانتقالي الجنوبي عبر ترتيبات سياسية وعسكرية دقيقة.
وشمل الاتفاق تشكيل حكومة كفاءات سياسية مناصفة بين الشمال والجنوب وتفعيل المؤسسات الرقابية.
ومهد هذا الاتفاق الطريق لاحقًا لتشكيل مجلس القيادة الرئاسي في عام 2022 لنقل السلطة وتوسيع قاعدة التمثيل.
وأطلقت المملكة في مارس 2021 مبادرة شاملة لإنهاء الأزمة تتضمن وقف إطلاق نار شامل تحت إشراف الأمم المتحدة.
وتضمنت المبادرة فتح مطار صنعاء لعدد من الوجهات وإيداع إيرادات السفن النفطية في البنك المركزي.
وتعكس هذه التحركات التزام الرياض بالدبلوماسية كخيار استراتيجي لتحقيق استقرار دائم في اليمن.
وشهد شهر يناير 2026 انطلاق اللقاء التشاوري الجنوبي في الرياض بحضور قيادات ومشايخ وأعيان من جنوب البلاد.
وأكد المجتمعون في الرياض أن الاجتماع يأتي تعبيرًا عن إرادة جنوبية جامعة تبحث عن الحل العادل والآمن للقضية.
وشدد البيان الذي قرأه عضو مجلس القيادة الرئاسي أبو زرعة المحرمي على رفض أي مسارات تصعيدية تضر بمستقبل الجنوب.
وأوضح المحرمي أن موقف المملكة العربية السعودية يدعم ويتوافق تمامًا مع مطالب الشعب الجنوبي العادلة.
ويدعم هذا الموقف حق الشعب في إيجاد حل سياسي شامل يضمن كرامته وأمنه واستقراره ومستقبله.
واعتبر المشاركون أن الحوار الجنوبي الذي ترعاه المملكة يمثل فرصة تاريخية نادرة لا يجوز التفريط بها، وتم التأكيد صراحة على عدم وجود أي نية للإقصاء أو التهميش لأي طرف جنوبي في هذا المسار التوافقي.
ولمس قادة الجنوب منذ وصولهم إلى الرياض ترحيبًا صادقًا ودعمًا واضحًا لملفاتهم المطلبية العاجلة، فيما حظي ملف المرتبات المتأخرة منذ أربعة أشهر بتفاعل إيجابي ومسؤول من قبل الأشقاء في المملكة.
وتلقى القادة تأكيدات مباشرة بشأن استمرار دعم القوات الجنوبية التي تتولى حماية الجنوب وأمنه في جبهات القتال، وسيتم صرف مستحقات هذه القوات كاملة وتعزيز قدراتها بما يعزز من استقرار اليمن ويحمي المكتسبات الوطنية.
ويرى المجتمعون أن دعم الاقتصاد والتنمية هو أحد أعمدة الشراكة المستقبلية الاستراتيجية بين الجنوب والمملكة.
مسيرة تنمية اليمن لم تتوقف
تتركز استراتيجية السعودية لعام 2026 وما بعدها على ثلاثة محاور رئيسية تشمل التمكين المؤسسي والاستثمار في الإنسان.
ويجري العمل على بناء قدرات الحكومة في قطاعات الأمن والطاقة والنقل لتقليل الاعتماد على المساعدات الخارجية.
ويهدف الاستثمار في رأس المال البشري عبر مشاريع التعليم العالي والتدريب المهني النوعي لضمان وجود جيل قادر على القيادة.
ويضمن تطهير الأراضي من الألغام وحماية الممرات المائية جعل اليمن شريكًا فاعلًا في استقرار التجارة الدولية.
وتثبت الوقائع الميدانية أن المملكة العربية السعودية بذلت كل جهد ممكن للحفاظ على كيان الدولة اليمنية من الانهيار الكامل.
ويظل هذا الدعم نموذجًا فريدًا للتعاون الإقليمي القائم على أواصر الأخوة والتاريخ والجغرافيا والمصير المشترك.
وتؤكد هذه المعطيات أن اليمن يسير نحو السلام الشامل الذي يراعي مصالح كافة اليمنيين بضمانة ورعاية سعودية دائمة.










