يتصدر رقم «300 مليار دولار» عناوين الأخبار ونشرات المؤتمرات كلما فُتح ملف المال في أروقة قمم المناخ؛ فالرقم يبدو للوهلة الأولى تدفقًا نقديًا هائلًا كفيلًا بإنعاش جهود حماية الكوكب. لكن قراءة هذا الرقم على نحو مجرد تمنح انطباعًا مضللًا ما لم يُفكك عبر ثلاثة أسئلة جوهرية تحكم مصيره: ماذا يشمل؟ ومتى يُدفع؟ والأهم من ذلك كله: من يكتب الشيك فعلًا؟
فبين الوعود الدبلوماسية المعلنة في باكو، ومخرجات قمة بيليم، وصولًا إلى قاعات التفاوض المحتدمة في أنطاليا، لم يعد التمويل مجرد نقاش حول مبالغ مطلوبة، بل ساحة لصراع حاد حول العدالة والمسؤولية التاريخية وطبيعة الالتزام القانوني.
تشريح الرقم
شهد مؤتمر الأطراف (COP29) في باكو عام 2024 ولادة الهدف الجماعي الكمي الجديد لتمويل المناخ، متضمنًا الاتفاق على تخصيص ما لا يقل عن 300 مليار دولار سنويًا لصالح الدول النامية. وقد جاء هذا الرقم ليرفع السقف المالي الدولي ويحل بديلًا عن الحد الأدنى السابق الذي استقر لسنوات عند 100 مليار دولار سنويًا.
لكن التدقيق في صياغة الاتفاق يكشف عن تفاصيل حاسمة:
الأفق الزمني: هذا المبلغ ليس تدفقًا فوريًا يدخل الحسابات غدًا، بل هو هدف وُضع ليتحقق «بحلول عام 2035»، مما يعني أن أمامه مسارًا زمنيًا ممتدًا يتطلب تصعيدًا تدريجيًا.
طبيعة المصادر: لا يمثل الرقم التزامًا نابعًا بالكامل من الميزانيات الحكومية؛ فالنص يقرر أن يكون التمويل «بقيادة الدول المتقدمة»، لكنه يدمج بين مصادر تمويلية عامة وخاصة. هذا المزج يفتح الباب لاحتساب استثمارات القطاع الخاص والقروض والضمانات المالية ضمن الوعاء الإجمالي، وهو ما يثير تحفظ الدول النامية التي تخشى تراكم الديون وتفضل التمويل العام الميسر والمنح المباشرة.
الـ 300 مليار مقابل الـ 1.3 تريليون
لتفادي الخلط الشائع في التغطيات الإعلامية، يتعين التمييز الصارم بين رقمين ارتبطا بمخرجات باكو واستمر صداهما في قمة بيليم (COP30)؛ فالـ 300 مليار دولار ليست هي الـ 1.3 تريليون دولار، والخلط بينهما يخفي تباينًا شاسعًا في الطبيعة القانونية والالتزام:
الـ 300 مليار دولار: هي الهدف الأساسي المقر رسميًا ضمن مسار التفاوض، وهو التزام محدد تقوده الدول المتقدمة تجاه الدول النامية، مع مزيج من المصادر العامة والخاصة بحلول 2035.
الـ 1.3 تريليون دولار: ليست التزامًا قانونيًا مباشرًا تتحمله جهة بعينها، بل تمثل «دعوة» موسعة موجهة لجميع الجهات والفاعلين لحشد وتعبئة هذا المبلغ سنويًا بحلول 2035.
هذا الرقم الأخير يحمل تعريفًا مختلفًا تمامًا؛ فهو يشمل جميع تدفقات التمويل المناخي العالمية من شتى القنوات، الدولية والمحلية، العامة والخاصة، ولا يعبر عن مساعدات نقدية تنتقل حصرًا من حكومات الشمال إلى بلدان الجنوب.
بيليم ومكاسب على الورق
لم تكن قمة بيليم في البرازيل (COP30) بعيدة عن هذه الحسابات؛ إذ اتفقت الأطراف على تحقيق قفزة في التمويل الموجه لمشاريع التكيف ومواجهة أضرار المناخ، معلنةً هدفًا يقضي بمضاعفة تمويل التكيف «ثلاث مرات على الأقل بحلول عام 2035».
ورغم الترحيب الدبلوماسي بالقرار، سرعان ما ظهرت ثغرة جوهرية أعادت التفاؤل إلى مربعه الحذر: غياب التحديد الدقيق لـ «خط الأساس». فمضاعفة التمويل ثلاث مرات تظل صيغة فضفاضة ما لم تتفق الدول على الرقم المرجعي أو السنة الأساس التي تُقاس عليها تلك المضاعفة.
صراع أنطاليا
مع انتقال ملف التمويل إلى مؤتمر أنطاليا (COP31)، انفجرت التناقضات حول جوهر المسؤولية المالية؛ فلم يعد الخلاف مقتصرًا على سقف المبالغ، بل بات يمس الاتفاق برمته:
طبيعة الالتزام: تصر الدول النامية على التمسك بالمادة التاسعة من اتفاق باريس، التي تقضي بوضوح بأن تقدم الدول المتقدمة موارد مالية لمساعدة البلدان النامية، معتبرة أن التمويل التزام عام وواجب على عاتق الدول الصناعية المسؤولة تاريخيًا عن الانبعاثات.
وفي المقابل، ترى الدول المتقدمة أن التمويل «مسؤولية أوسع» تتشارك فيها أطراف متعددة، وتعتمد بدرجة أساسية على تعبئة رؤوس أموال القطاع الخاص.
قواعد المساهمة: تدور معركة إجرائية شرسة حول «من يدفع ومن يُحتسب». تسعى الاقتصادات المتقدمة إلى توسيع قاعدة المساهمين بضم اقتصادات ناشئة وقوى صاعدة إلى قائمة الممولين، في حين ترفض الأخيرة أي محاولة لتغيير وضعها التفاوضي أو تحويل التزامات الشمال إلى واجبات مفروضة على الجنوب.
الخلاصة.. إن رقم الـ 300 مليار دولار ليس مجرد إنجاز محاسبي يُحتفى به عند منصات الختام؛ فقيمته الحقيقية ستظل رهينة الطريقة التي يُترجم بها على الأرض. وتبقى قاعات أنطاليا أمام امتحان وسؤال هام : هل تتحول مليارات المؤتمرات إلى تدفقات عامة وميسرة تصل إلى المجتمعات الأكثر تضررًا، أم تتفرق بين أدوات الإقراض وغموض خطوط الأساس؟




