مع اقتراب كل دورة جديدة لمؤتمر المناخ، يتجدد السؤال الأكثر إلحاحًا وإثارة للجدل: هل أنجز العالم شيئًا حقيقيًا منذ توقيع اتفاق باريس؟ والجواب عن هذا التساؤل الشائك لا يستقيم بإصدار أحكام قاطعة بالنفي أو الإيجاب؛ فالإنصاف التحليلي يقتضي التمييز الدقيق بين ثلاثة مسارات متوازية: ما استطاعت الدبلوماسية تثبيته على الورق، وما شهده الواقع الميداني من تحولات فعلية، وما لا يزال غائبًا في فجوة التنفيذ وتمويل الوعود.
ومع وصول قطار المؤتمرات إلى محطته الحادية والثلاثين في أنطاليا، يبدو المشهد كحصيلة مركبة لعقدٍ من المفاوضات الشاقة التي أعادت صياغة التزامات الدول، لكنها اصطدمت بحسابات الاقتصاد والسياسة المعقدة.
على الورق: هندسة دبلوماسية رسخت قواعد اللعبة
إذا قيس الإنجاز بالبناء المعياري والتشريعي، فإن العالم قطع شوطًا غير مسبوق في تشييد هيكل العمل المناخي الدولي؛ فاتفاق باريس لعام 2015 لم يكن مجرد إعلان نوايا، بل أرسى في مادته الثانية أهدافًا ملزمة بحصر ارتفاع درجات الحرارة العالمية دون درجتين مئويتين ومواصلة الجهود لحصره عند 1.5 درجة، إلى جانب توجيه التدفقات المالية لتتواءم مع مسار خفض الانبعاثات والتكيف مع التغيرات المناخية.
وقد استند هذا الاتفاق إلى محركين إجرائيين بالغي الأهمية؛ أولهما المادة الرابعة التي فرضت آلية تصاعدية تلزم الدول بتقديم "مساهمات محددة وطنيًا" تُحدّث كل خمس سنوات لتعكس أقصى طموح ممكن، وثانيهما المادة الرابعة عشرة التي استحدثت "الحصيلة العالمية" لتقييم الموقف الجماعي بانتظام.
ولم يتوقف التدوين الدبلوماسي عند باريس؛ إذ شكّل القرار الختامي للحصيلة العالمية الأولى (1/CMA.5) في دبي محطة مفصلية حين وثّق رسميًا ضرورة التحول بعيدًا عن الوقود الأحفوري، ومضاعفة كفاءة الطاقة، ومضاعفة القدرة الإنتاجية للطاقات المتجددة ثلاث مرات. وتلا ذلك في مؤتمر باكو (COP29) التوصل إلى اتفاق تاريخي لمضاعفة التمويل الموجه للدول النامية ثلاث مرات، ليرتفع الهدف من 100 مليار دولار سنويًا إلى 300 مليار دولار سنويًا بحلول عام 2035، وفتح الباب لحشد ما يصل إلى 1.3 تريليون دولار عبر مصادر متعددة.
أما قمة الأمازون في بيليم (COP30)، فقد أضافت إلى هذا المعمار اعتماد "حزمة بيليم" ووثيقتها الختامية التي حملت اسم "الموتيراو العالمي" (Global Mutirão)—تعبيرًا عن العمل الجماعي التضامني—والتي وسّعت نطاق التركيز ليشمل حماية الغابات المدارية ومؤشرات التكيف. على الورق، إذن، يمتلك العالم اليوم أدق منظومة أهداف وتعهدات عرفها تاريخ العمل متعدد الأطراف.
في المسار الفعلي: انحناء جزئي لحدة الانبعاثات
على أرض الواقع، لم تكن تلك الاتفاقات مجرد حبر يُتلى في القاعات؛ فقد أجبر مسار باريس كل حكومة على الجلوس وحساب بصمتها الكربونية، مما دفع السياسات الوطنية وخطط الاستثمار إلى تبني مسارات تحول طاقي واسعة. تسارعت استثمارات الطاقة النظيفة، وتحولت مفاهيم مثل كفاءة الطاقة والحياد الكربوني إلى ركائز في استراتيجيات التنمية لدى الاقتصادات الكبرى والناشئة على حد سواء.
لكن قراءة هذا التقدم عبر عدسة العلم تُظهر فارقًا صارخًا بين الحركة والإنجاز الكافي؛ فبحسب تقرير "فجوة الانبعاثات لعام 2025" الصادر عن برنامج الأمم المتحدة للبيئة، تبيّن أن التعهدات والخطط المناخية الجديدة لم تُفلح إلا في خفض الاحترار المتوقع "بشكل طفيف فقط". وأكدت بيانات التقرير أن التطبيق الكامل للمساهمات الوطنية المحدثة لن يحقق بحلول عام 2035 سوى خفض متواضع بنحو 15% مقارنة بمستويات عام 2019، في حين تشترط المسارات العلمية الصارمة خفض الانبعاثات بنسبة 35% لإبقاء الاحترار دون درجتين، وبنسبة 55% للبقاء في مسار 1.5 درجة.
لقد نجح العالم بالفعل في ثني منحنى الارتفاع المتصاعد للانبعاثات ومنع سيناريوهات الانهيار الكارثي القصوى، لكنه فعل ذلك ببطء شديد لا يتناسب مع وتيرة تداعيات أزمة المناخ المتسارعة.
ما بقي ناقصًا: فجوة الإيفاء وصراع الأولويات في أنطاليا
يتمثل النقص الأكبر، الذي يلقي بظلاله على كل دورة تفاوضية، في "فجوة التنفيذ" الفاصلة بين الوعود والسياسات المطبقة. فالأهداف الطموحة التي تُصاغ في أروقة المؤتمرات تظل هشّة ما لم تُسندها تدفقات تمويلية حقيقية وآليات تنفيذ ملموسة تترجم خارطة طريق التمويل من باكو إلى بيليم وصولًا إلى رقم الـ 1.3 تريليون دولار.
كما تركت مؤتمرات القمة السابقة وراءها قضايا شائكة تم ترحيلها دون حسم؛ إذ كشفت نقاشات بيليم عن انقسام عميق حين اصطدمت مقترحات وضع خريطة طريق تفصيلية وملزمة للتخلي عن الوقود الأحفوري باعتراضات قوية حالت دون إدراجها في النص النهائي، لتتحول تلك العقدة إلى ملف مؤجل.
وفي قاعات أنطاليا، تتجدد خارطة "من يريد ماذا" بمواجهات صريحة بين مصالح الأطراف المتعارضة؛ فالدول النامية تطالب بأن تترجم أرقام التمويل إلى أموال عامة واضحة وميسرة بدلًا من تراكم القروض والاعتماد المفرط على مبادرات القطاع الخاص، بينما تركز الدول المتقدمة على الضغط لرفع سقوف الخفض الإلزامي للانبعاثات وتوسيع قاعدة المساهمين في التمويل.
إن مسار العمل المناخي الممتد من باريس إلى أنطاليا لا يحكي قصة نجاح مطلق ولا يعكس فشلًا كاملاً؛ لقد استطاع العالم تفكيك حاجز الصمت، وبناء هندسة تفاوضية متكاملة، وإطلاق تحول لا رجعة فيه في سياسات الطاقة. لكن الحقيقة التي تواجه الوفود في كل قمة تبقى ثابتة بلا تغيير: العبرة لا تكمن فيما تحمله مسودات القرارات من صياغات توفيقية، بل فيما تستطيع الدول تطبيقه على أرض الواقع قبل أن يسبقها الوقت.




