عندما يُقال إن مؤتمر المناخ ينعقد هذا العام في دورته «الحادية والثلاثين»، فإن هذا الرقم لا يرمز لمجرد مناسبة دولية عابرة، بل يختزل مسارًا تفاوضيًا متواصلًا تجتمع فيه دول العالم سنويًا تقريبًا منذ عام 1995. وخلف مشهد الوفود التي تتقاطر بالآلاف وأضواء القمم الدولية، يقف سؤال مشروع يتردد مع كل دورة: ما الذي يدفع العالم لتكرار هذا اللقاء كل عام، وما الذي تصنعه الدول فعليًا خلف الأبواب المغلقة لتلك القاعات؟
من برلين إلى أنطاليا: من أين جاء الرقم؟
يحمل المؤتمر اسم «COP»، وهو اختصار لـ «مؤتمر الأطراف» (Conference of the Parties)، والمقصود بالأطراف هنا هي الدول التي وقّعت وصادقت على «اتفاقية الأمم المتحدة الإطارية بشأن تغير المناخ». تعود جذور هذه المعاهدة إلى قمة الأرض التاريخية في ريو دي جانيرو عام 1992، قبل أن تدخل حيز النفاذ رسميًا عام 1994 بهدف معالجة التدخل البشري الخطير في النظام المناخي.
ولأن المعاهدات لا تطبق نفسها تلقائيًا، نصّت الاتفاقية على إنشاء مؤتمر الأطراف بوصفه الهيئة العليا المسؤولة عن متابعة تنفيذها. ومنذ انطلاق دورته الأولى (COP1) في برلين عام 1995، توالت اللقاءات على نحو دوري في مدن مختلفة حول العالم، ليصل الترقيم التراكمي إلى نسخته الحادية والثلاثين (COP31) التي تستضيفها مدينة أنطاليا التركية. الرقم إذن ليس تصنيفًا شكليًا، بل هو عدّاد لسنوات العمل الدبلوماسي المتواصل لإنفاذ الاتفاقية الأم.
هيئة عليا لا قمة بروتوكولية
لا يُعقد مؤتمر المناخ باعتباره احتفالية سياسية أو منصة لالتقاط الصور التذكارية لرؤساء الدول، بل هو اجتماع دوري بحكم القانون الدولي. وبموجب القواعد الإجرائية للاتفاقية الإطارية، تلتزم هذه الهيئة العليا بالانعقاد سنويًا—ما لم تقرر الأطراف خلاف ذلك—لأداء وظائف محددة؛ حيث تتولى مراجعة التقدم المحرز في تنفيذ بنود المعاهدة، ومراقبة التزامات الدول، وتقييم الانبعاثات والبيانات العلمية، وإدارة المفاوضات حول الأدوات القانونية والإجرائية الجديدة.
تكرار الاجتماع عامًا بعد عام تمليه أيضًا طبيعة أزمة المناخ المتسارعة وتشابكها مع مفاصل الاقتصاد العالمي، حيث تتطلب متابعة السياسات وتحديث الالتزامات ونقل التكنولوجيا وتوزيع أعباء التمويل وتيرة عمل مستمرة وتدقيقًا لا يحتمل الانقطاع لسنوات طويلة.
ديمقراطية القرار وثمنه الشاق
تتبع مفاوضات المناخ آلية تصويت دقيقة ومربكة في آن واحد، وهي قاعدة «التوافق» (Consensus). في قاعات المؤتمر، لا تملك الأغلبية حق فرض قراراتها على الأقلية عبر التصويت البسيط، بل يملك كل طرف صوتًا يؤخذ في الحسبان؛ وهو ما يتيح للدول النامية والجزرية الصغيرة صوتًا مسموعًا يوازي الدول الكبرى، ولكنه يعني في الوقت نفسه أن أي دولة بمفردها قادرة على عرقلة مسار تفاوضي بأكمله إذا لم تُراعَ مصالحها.
تمنح هذه الآلية القرارات النهائية شرعية دولية استثنائية، لكنها تفرض ثمنًا باهظًا يتمثل في صعوبة الوصول إلى صياغات مقبولة للجميع، وتفسر لماذا تمتد الجلسات الختامية لساعات متأخرة من الليل في مفاوضات ماراثونية للبحث عن حلول وسط ترضي كل الأطراف.
ثلاثة اجتماعات تحت سقف واحد
ما يراه المتابع الخارجي كحدث واحد يسمى «مؤتمر المناخ»، هو في الحقيقة ثلاثة مؤتمرات متباينة تجري بالتوازي وفي القاعات نفسها:
مؤتمر الأطراف (COP): الهيئة العليا الحاكمة لاتفاقية الأمم المتحدة الإطارية الأصلية لعام 1992.
اجتماع الأطراف في بروتوكول كيوتو (CMP): الهيئة المعنية بتنفيذ ومراجعة بروتوكول كيوتو الذي أقره العالم سابقًا.
اجتماع الأطراف في اتفاق باريس (CMA): الهيئة الحاكمة والمسؤولة عن متابعة تنفيذ وتفعيل اتفاق باريس التاريخي لعام 2015.
تشترك هذه المسارات الثلاثة في التاريخ والمكان والوفود الدبلوماسية، إلا أن لكل منها جدول أعماله الخاص وسنده القانوني المستقل، وتصدر عنها قرارات منفصلة تعود إلى المعاهدة المنظمة لها.
معمار باريس
أحدث اتفاق باريس لعام 2015 نقطة تحول جذرية في بنية هذه المؤتمرات، إذ لم يعد المؤتمر مجرد مساحة لصياغة نصوص الاتفاقات، بل تحول إلى محرك دوري للمتابعة والمساءلة، مستندًا إلى مواد محورية ترسم مسار العمل:
المادة 2: حددت الهدف طويل الأجل بحصر ارتفاع درجة الحرارة العالمية دون درجتين مئويتين والسعي لحصره عند 1.5 درجة، إلى جانب تعزيز القدرة على التكيف وجعل تدفقات الأموال متوافقة مع مسار خفض الانبعاثات.
المادة 4: أرست آلية «المساهمات المحددة وطنيًا»، وهي خطط تلتزم الدول بتحديثها وتقديمها كل خمس سنوات، على أن تعكس كل خطة جديدة أعلى درجات الطموح الممكن مقارنة بسابقتها.
المادة 13: أسست «إطار الشفافية المعزز»، الذي يُلزم الدول بتقديم تقارير الشفافية كل سنتين لتتبع مسار انبعاثاتها ومدى إيفائها بتعهداتها، فضلًا عن تتبع الدعم المالي والتقني المقدم والمطلوب.
المادة 14: استحدثت آلية «التقييم العالمي» التي تتكرر كل خمس سنوات لتقييم الموقف الجماعي للعالم والتأكد من مدى اقترابه أو ابتعاده عن أهداف الاتفاق.
حوّلت هذه البنود المؤتمر السنوي إلى موعد دوري تلتقي عنده جداول زمنية ثابتة: دورات خمسية لتحديث الخطط الوطنية ومراجعة الأداء الجماعي، ودورات كل سنتين لتقارير الشفافية، بالإضافة إلى التفاوض السنوي على متطلبات التمويل؛ كتلك الصفقة التي شهدها مؤتمر (COP29) بمضاعفة تمويل العمل المناخي الموجه للدول النامية لثلاثة أضعاف، وصراع المصالح المستمر في كل قمة—كما هو الحال في (COP31)—حول أولويات كل دولة وما تريده من هذا المسار.
بين ما يُقرر وما يُنفذ
لا يعد مؤتمر المناخ إذن قمة موسمية تبدأ بكلمات وتنتهي ببيان ختامي، بل هو اجتماع سنوي دستوري لهيئة عليا في معاهدة دولية تمتد لأكثر من ثلاثة عقود، تُتخذ قراراتها بقاعدة التوافق الشاقة، وتنتظم أعمالها داخل دورات خمسية وأخرى كل سنتين أرساها اتفاق باريس.
ويبقى المعيار الحقيقي لقراءة أي مؤتمر مناخي بعيدًا عن الوعود الخطابية وتفاؤل المسودات؛ فالقراءة الفاحصة تتلخص دائمًا في التمييز الصارم بين ما يُتفق عليه داخل القاعات المكيفة، وما يجد سبيله الفعلي إلى التطبيق على أرض الواقع خارجها.




