رغم إقرار الاتحاد الأوروبي أول إطار تشريعي شامل في العالم لتنظيم الذكاء الاصطناعي، غابت أوروبا عن محادثات دولية رفيعة المستوى بشأن سلامة هذه التكنولوجيا في خطوة بدأت مفاجئة للمراقبين، إذ إنها هي المبادرة إلى وضع قواعد لتنظيمه؛ في وقت تتصدر فيه الولايات المتحدة والصين سباق تطوير نماذجها المتقدمة.
وتواجه أوروبا، إلى جانب محدودية حضورها في هذه النقاشات، صعوبات في تطوير نماذج متقدمة ومراكز بيانات وشركات تكنولوجية عملاقة قادرة على منافسة نظيراتها الأميركية والصينية. وفيما يفرض الاتحاد الأوروبي قواعد ملزمة على الشركات للحد من مخاطر الذكاء الاصطناعي، لا تزال القارة تكافح لتعزيز قدراتها في صناعة التكنولوجيا نفسها..
تحذيرات من التهميش
حذر الاقتصادي الفرنسي الحائز على جائزة نوبل، فيليب أغيون، من أن التطورات المتسارعة في الذكاء الاصطناعي تضع أوروبا أمام خطر التهميش على الساحة العالمية. وشارك أغيون في إعداد تقرير يدعو إلى تصحيح مسار القارة بصورة عاجلة، حتى تتمكن من الاستفادة من التحولات التكنولوجية الجارية وتعزيز قدرتها على المنافسة.
وتتصل هذه التحذيرات بمخاوف من اتساع اعتماد أوروبا على التكنولوجيا المطورة خارج حدودها، في وقت تتزايد فيه أهمية النماذج المتقدمة والبنية التحتية الحاسوبية في قطاعات الاقتصاد والخدمات العامة. ويطرح ذلك تحديًا يتعلق بقدرة القارة على تطوير بدائلها الخاصة، والاحتفاظ بالكفاءات اللازمة لبناء صناعة تكنولوجية أكثر استقلالًا.
وبحسب معهد إيفو طرح أغيون، إلى جانب اقتصاديين وخبراء أوروبيين، ضرورة تعزيز الاستثمارات في البنية التحتية والنماذج المتقدمة، مع إعداد القارة للتعامل مع المخاطر التي قد تنشأ عن تطور أنظمة الذكاء الاصطناعي شديدة القدرة.
سعى الاتحاد الأوروبي منذ سنوات إلى ترسيخ مكانته رائدًا في تنظيم الذكاء الاصطناعي، من خلال قواعد تلزم الشركات بالتعامل مع المخاطر التي قد تنشأ عن أدواتها، وتفرض متطلبات تتعلق بجودة البيانات والإشراف البشري والأمن السيبراني، لكن هذا النهج لم يضمن للقارة حضورًا مماثلًا في المحادثات الدولية رفيعة المستوى بشأن سلامة النماذج الأكثر تقدمًا.
وفي الولايات المتحدة، تصاعدت الدعوات إلى إبطاء وتيرة تطوير قدرات الذكاء الاصطناعي المتقدم، وإتاحة المجال أمام الشركات للتنسيق بشأن إجراءات السلامة. وأثارت هذه الدعوات خلافًا حول الجهة التي ينبغي أن تحدد الضوابط، وما إذا كان التنسيق الطوعي بين الشركات كافيًا للتعامل مع المخاطر المحتملة.
في سبتمبر 2026، أعلن رئيس المفوضية الأوروبية، أورسولا فون دير لاين، عزمه دعوة أبرز مطوري النماذج المتقدمة إلى مناقشات بشأن سبل دعم الجهود الرامية إلى ضبط وتيرة تطويرها، وجاء التحرك في أعقاب دعوة الرئيس التنفيذي لشركة Anthropic داريو أمودي، إلى إبطاء تطوير قدرات الذكاء الاصطناعي المتقدمة
فجوة
تعاني أوروبا منذ سنوات صعوبة في إنتاج شركات تكنولوجية تضاهي عمالقة وادي السيليكون. ومع صعود الذكاء الاصطناعي التوليدي، امتدت الفجوة إلى تطوير النماذج المتقدمة، التي تتطلب استثمارات ضخمة في القدرة الحاسوبية ومراكز البيانات والبحث والتطوير.
وتفتقر القارة إلى مجموعة من النماذج والشركات القادرة على منافسة أدوات مثل ChatGPT الذي تطوره OpenAI، وClaude التابع لشركة Anthropic، إلى جانب النماذج الصينية مثل DeepSeek. ويحد ذلك من قدرة أوروبا على المنافسة في سوق تتزايد فيها أهمية امتلاك التكنولوجيا والبنية التحتية اللازمة لتطويرها وتشغيلها.
حذرت رئيسة البنك المركزي الأوروبي، كريستين لاغارد، من أن اعتماد أوروبا على التكنولوجيا الأجنبية يضعها أمام مخاطر تتجاوز المنافسة التجارية، إذ قد تجد نفسها عاجزة عن الوصول إلى بعض الأنظمة التي تعتمد عليها إذا تعرضت علاقاتها مع القوى المطورة لها للتوتر.
موقف محرج
ووصفت لاغارد مأزق الذكاء الاصطناعي في القارة بأنه «محرج»، مشيرة إلى أن أوروبا تواجه خيارين صعبين: إما التباطؤ في تبني التكنولوجيا بسبب مخاوف تتعلق بحماية البيانات، مع خسارة فرص النمو التي قد توفرها، أو الإسراع في استخدامها مع زيادة الاعتماد على أنظمة تطورها شركات خارجية، بما قد يحد من قدرتها على إدارة اقتصادها وفقًا لقيمها وأولوياتها.
وترى لاغارد أن الاستثمار في التكنولوجيا المحلية وبناء المزيد من مراكز البيانات يمكن أن يحد من هذه المخاطر، ويمنح أوروبا قدرة أكبر على تطوير استجابتها الخاصة للتحديات المرتبطة بسلامة الذكاء الاصطناعي.
وفي محاولة لتقليص الفجوة، كشفت شركة Mistral AI الفرنسية عن نموذج جديد قالت إنه قادر على منافسة نماذج أميركية أكثر شهرة. ويمنح هذا التطور صناعة الذكاء الاصطناعي الأوروبية فرصة لتعزيز حضورها، لكن مدى قدرة النموذج على منافسة عمالقة الصناعة لا يزال بحاجة إلى تقييم على أساس أدائه الفعلي واستخداماته ومدى انتشاره.
تأثير بروكسل
قبل أن تتصدر النقاشات بشأن كيفية مراقبة النماذج المتقدمة الاهتمام الدولي، أقر المشرعون الأوروبيون قانون الذكاء الاصطناعي لمحاسبة الشركات على المخاطر الناجمة عن أدواتها. ويحدد القانون التزامات تتعلق بجودة البيانات والإشراف البشري والأمن، ويصنف الأنظمة وفقًا لمستوى المخاطر التي قد تسببها.
ويتيح القانون فرض غرامات كبيرة على الشركات المخالفة، تختلف بحسب طبيعة الانتهاك. ففي حالات مخالفة المحظورات المتعلقة ببعض ممارسات الذكاء الاصطناعي، قد تصل الغرامة إلى 35 مليون يورو أو 7% من إجمالي حجم الأعمال السنوي العالمي للشركة، أيهما أعلى. وفي حالات أخرى، تصل الغرامات إلى 15 مليون يورو أو 3% من حجم الأعمال العالمي، وفقًا للأحكام المنطبقة.
وقالت فون دير لاين في خطابها عن حالة الاتحاد إن القانون يشكل ركيزة أساسية لوضع الضوابط اللازمة للتعامل مع مخاطر الذكاء الاصطناعي، ويتيح لأوروبا المشاركة في تشكيل الجهود الدولية بشأن هذه المخاطر.
لكن تطبيق القانون يواجه تحديات عملية، إذ يتطلب تنسيقًا بين المفوضية الأوروبية والسلطات الوطنية، إلى جانب توفير الخبرات الفنية اللازمة لمراقبة امتثال الشركات وتقييم النماذج المتقدمة. كما أن أحكام القانون تدخل حيز التطبيق تدريجيًا، ولا تسري جميع الالتزامات وآليات الإنفاذ في توقيت واحد.
وإلى جانب تحديات التنفيذ، أثارت القواعد الأوروبية مخاوف بشأن أثر تكاليف الامتثال في سرعة تطوير المنتجات وطرحها، خصوصًا لدى الشركات الناشئة. وتتداخل هذه المخاوف مع لوائح أخرى، من بينها قانون الأسواق الرقمية واللائحة العامة لحماية البيانات، وسط خلاف بشأن كيفية الموازنة بين حماية المستخدمين وتشجيع الابتكار.
يشير تحليل نشرته صحيفة الغارديان إلى أن الانتقادات الموجهة إلى قانون الذكاء الاصطناعي الأوروبي، بما فيها عبء الامتثال ونطاق تطبيقه، أسهمت في الحد من اعتباره نموذجًا تشريعيًا عالميًا، رغم أن شركات التكنولوجيا التي تستهدف السوق الأوروبية تظل مطالبة بالامتثال للقواعد المنطبقة عليها.
وبينما تواصل أوروبا الدفاع عن نهجها القائم على التنظيم والمساءلة، فإنها تواجه تحديًا يتمثل في تعزيز قدرتها على تطوير التكنولوجيا التي تسعى إلى ضبطها، وتوسيع حضورها في النقاشات الدولية بشأن سلامتها. وفي ظل تقدم الولايات المتحدة والصين في تطوير النماذج المتقدمة، يبقى السؤال بشأن موقع أوروبا في هذه النقاشات مرتبطًا بقدرتها على الجمع بين قواعدها التشريعية وبناء صناعة تكنولوجية أكثر قدرة على المنافسة.







