نيابة عن خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز آل سعود -حفظه الله-، افتتح الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز آل سعود ولي العهد رئيس مجلس الوزراء، اليوم، أعمال السنة الثالثة من الدورة التاسعة لمجلس الشورى.
ولدى وصول ولي العهد مقر مجلس الشورى، كان في استقباله الأمير فيصل بن بندر بن عبدالعزيز أمير منطقة الرياض، والأمير محمد بن عبدالرحمن بن عبدالعزيز نائب أمير منطقة الرياض، ورئيس مجلس الشورى الشيخ الدكتور عبدالله بن محمد بن إبراهيم آل الشيخ.
رئيس مجلس الشورى يستعرض دور المجلس وإنجازاته
وألقى رئيس مجلس الشورى كلمة رحب فيها بولي العهد، مؤكدًا أن افتتاح أعمال السنة الثالثة من الدورة التاسعة للمجلس يأتي في مناسبة تتضمن إلقاء الخطاب الملكي السنوي نيابة عن خادم الحرمين الشريفين. وقال إن مجلس الشورى حظي منذ تأسيسه بدعم واهتمام القيادة الرشيدة التي جعلت منه ركيزة من ركائز التنمية، مشيرًا إلى أنه يستلهم من "رؤية السعودية 2030" معاني الإنجاز والمبادرة بعد مضي عشر سنوات من إطلاقها.
وأوضح أن الرؤية أسهمت، بفضل الله ثم بمتابعة ولي العهد المستمرة، في تحويل الطموحات إلى واقع مليء بإنجازات تشهد لها الأرقام والمؤشرات في جميع المجالات. وأشار إلى أن مجلس الشورى يواصل مهمته الوطنية في دراسة الأنظمة والرقابة على الأداء، موضحًا أنه عقد خلال السنة الثانية من الدورة التاسعة 46 جلسة، وصدر عنه 555 قرارًا تتعلق بالأنظمة واللوائح والاتفاقيات والمعاهدات ومذكرات التفاهم والتقارير السنوية للأجهزة الحكومية.
كما أشار إلى مواصلة المجلس حضوره وفاعليته على المستوى الخارجي من خلال عضويته في مختلف الاتحادات والمنظمات البرلمانية، وعلاقاته الممتدة مع العديد من برلمانات الدول الشقيقة والصديقة، إلى جانب إسهام الأجهزة الحكومية وتعاونها في إنجاز العديد من الأعمال المتصلة باختصاص المجلس.
وفي ختام كلمته، أعرب رئيس مجلس الشورى باسمه وباسم مسؤولي المجلس وأعضائه ومنسوبيه عن بالغ الشكر والتقدير لخادم الحرمين الشريفين ولولي العهد على الدعم المتواصل للمجلس وأعماله، وعلى ما تحقق للسعودية من تقدم ورفعة، كما شكر أعضاء المجلس ومنسوبيه على جهودهم، سائلًا الله أن يديم على البلاد ما تنعم به من خير ورخاء واستقرار.
300 عام على تأسيس الدولة ومؤشرات رؤية 2030
وألقى ولي العهد نيابة عن خادم الحرمين الشريفين الخطاب الملكي السنوي، مستهلًا كلمته بقوله:
"نيابة عن سيدي خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز آل سعود -حفظه الله-، نفتتح بعون الله أعمال السنة الثالثة من الدورة التاسعة لمجلس الشورى، سائلين الله تعالى أن يكتب لنا التوفيق." وأشار إلى أن الدولة المباركة تكمل في يوم التأسيس القادم 300 عام منذ نشأتها، مؤكدًا أنها قائمة في كل مراحلها على كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، ومتمسكة بالتوحيد والعدل.
وقال: "وهو نهج لن نحيد عنه محافظين على إرثها وقيمها الأصيلة، التي تزداد مع الأيام تجذرًا وقوة، وهو ما جعل المواطن يزداد تمسكًا بعقيدته الخالصة وهويته الوطنية الراسخة." كما أشار إلى تشرف الدولة بخدمة الحرمين الشريفين وعمارتها ورعاية قاصديها، معتبرًا ذلك امتدادًا لالتزام متوارث واعتزازًا بهذا الشرف العظيم.
وتناول الخطاب نتائج عشر سنوات من رؤية 2030، مشيرًا إلى أن مؤشرات الأداء لبرامج وإستراتيجيات الرؤية حققت 93% من مستهدفاتها، بفضل الله ثم أداء وكفاءة المواطنين والمواطنات.
وأوضح أن الصادرات غير النفطية سجلت نموًا بنسبة 155% مقارنة بعام 2016م، وارتفعت مساهمة القطاع الخاص في الاقتصاد إلى 51%، كما أثبتت منظومة النقل والخدمات اللوجستية قدرتها على التعامل مع المتغيرات في سلاسل الإمداد والمحافظة على انسيابية حركة السلع والخدمات.
وأشار إلى أن صندوق الاستثمارات العامة باشر إستراتيجيته للخمس سنوات المقبلة، مركزًا على بناء منظومات اقتصادية محلية بقدرات تنافسية عالية، بشراكة محورية مع القطاع الخاص، وتعزيز المحتوى المحلي لتحقيق التحول الاقتصادي والوصول إلى عوائد مالية مستدامة، مع إسهام صندوق التنمية الوطني في تنمية العديد من القطاعات، مدعومًا بتمويل سنوي يضمن تحقيق مستهدفاتها.
وقال: "إن السعودية تتقدم عالميًا في الكثير من المؤشرات؛ منها المرتبة الأولى في مؤشر الجاهزية الرقمية، ومؤشر تنمية الاتصالات والتقنية ومؤشر الأمن السيبراني، والمرتبة الثانية في مؤشر نضج الحكومات الرقمية، كما دخلت قائمة الدول العشر الأكبر جاذبية للاستثمار التعديني".
وأضاف: "لقد أسمينا عام 2026م بعام "الذكاء الاصطناعي" تأكيدًا لحرصنا على أن تكون السعودية رائدةً عالميًا، في تطوير التطبيقات وحلول الذكاء الاصطناعي، واستثمارها لزيادة الإنتاجية وتحسين جودة الخدمات وتدريب الكفاءات السعودية".
الاقتصاد والتنمية والتعليم والصحة
وتناول الخطاب التطورات التي تمر بها المنطقة، مؤكدًا أن الأحداث الحالية أثبتت أن التخطيط الطويل المدى لا يعني الثبات والسكون، بل القدرة على التكيف مع المتغيرات. وقال: "وفي ظل ما يشهده العالم من تحولات متوالية، تتجلى أهمية الإصلاحات التي عززت تنوع الاقتصاد، وأسهمت في زيادة قدرة السعودية على التعامل مع الأزمات، والنجاح في تحويل التهديدات إلى فرص تعزيز مكانة السعودية، ومواصلة أولوياتها التنموية بكفاءة واستدامة".
وأشار إلى أن الظروف الحالية تمثل دليلًا على مرونة الاقتصاد الوطني ونضج قدرات منشآته وقوة إمكانيات مؤسسات الدولة واستدامته المالية.
وأضاف: "إن جوهر سياسات السعودية الاقتصادية هو تنمية القدرات والإمكانات الوطنية، وتمكين القطاعات الواعدة واستقطاب الاستثمارات المحلية والدولية، وتوجيه الموارد نحو المجالات الأعلى أثرًا اقتصاديًا واجتماعيًا، بما يحفظ قدرته على تمويل أولويات التنمية، ويضمن استدامة المكتسبات للأجيال القادمة".
وأكد أن الهدف الأساس لكل ما تقوم به الدولة هو رفعة الوطن وازدهاره وتحسين جودة الحياة، مشيرًا إلى أن قطاعي التعليم والصحة يتصدران الاهتمام المستمر ولهما الأولوية في ميزانية الدولة.
وأوضح أن قرار نظام التعليم العام جاء لتحقيق طموحات ترفع جودة التعليم إلى مرتبة متقدمة عالميًا، فيما يقطع التحول الصحي أشواطًا متسارعة لتكون الخدمة الصحية في أعلى درجاتها ومتوفرة بتغطية شاملة للمواطنين. وأشار إلى النجاح في خفض نسب البطالة، مؤكدًا العمل على الاستثمار في رأس المال البشري بما يسهم في تعظيم فرص دخول المواطنين إلى سوق العمل، ويتيح لهم المنافسة والتميز في جميع المجالات ليكونوا القوة المحركة للتنمية.
كما تناول إصلاح القطاع العقاري، موضحًا أن إجراءاته أثمرت توفير خيارات متعددة للمواطنين، وتعزيز كفاءة السوق العقارية ورفع نسبة تملك المساكن، مؤكدًا استمرار العمل على معالجة التحديات التي يواجهها القطاع، واتخاذ الخطوات التي تحقق المنفعة للمواطنين في مختلف جوانب حياتهم، بما لا يؤثر على التنمية ومقدرات الأجيال القادمة ويكفل الاستقرار المالي والاقتصادي للدولة.
الأمن الخليجي ومواقف السعودية تجاه قضايا المنطقة
وتطرق الخطاب إلى القدرات البشرية والعسكرية، وقال: "تملك بلادكم قدرات بشرية وعسكرية عالية الكفاءة، قادرة -بحول الله تعالى- على التصدي وردع التهديدات بشكل كامل أيًا كانت مصادرها".
وأكد أن الاعتداءات التي استهدفت جميع دول مجلس التعاون تؤكد أن الأمن والاستقرار الخليجي كل لا يتجزأ، مشيرًا إلى العمل مع الدول الشقيقة على صون الأمن الخليجي، والسعي إلى التعاون الإستراتيجي والتكامل الاقتصادي، والاستمرار في تنفيذ رؤية خادم الحرمين الشريفين لتعزيز العمل المشترك بما يحقق أهداف المجلس ويلبي تطلعات مواطنيه.
وفي سياق إسهامات السعودية في تعزيز استقرار المنطقة وتجنيبها تبعات التوتر والصراعات وتنسيق الجهود، أشار إلى إنشاء "حلف مكة الدفاعي" بين السعودية والجمهورية التركية وجمهورية باكستان الإسلامية، انطلاقًا من الجهود المشتركة لتعزيز الأمن والاستقرار في المنطقة، مع تقدير وقوف الدول الشقيقة والصديقة إلى جانب السعودية وإسهاماتها في تعزيز الأمن والاستقرار.
وتناول أزمة الطاقة، مشيرًا إلى أن العالم يتعرض لأزمة طاقة مفتوحة الاحتمالات، وأن السعودية كانت صمامًا لأمن الطاقة العالمي بقدرتها على توفير الإمدادات النفطية للأسواق الدولية رغم التصعيد.
كما أشار إلى مبادرة السعودية لإنشاء "التحالف البحري الدفاعي متعدد الجنسيات"، لتعزيز الأمن البحري وحماية المصالح المشتركة في الممرات البحرية الدولية، ورفض استغلالها أداة ضغط سياسي أو اقتصادي، مؤكدًا بذل كل الجهود مع الشركاء لتعزيز التعاون الدولي لحفظ الأمن وخفض التصعيد ونزع فتيل التوترات لتحقيق الاستقرار الإقليمي والدولي، مع التأكيد على ضرورة إسراع المجتمع الدولي في القيام بمسؤولياته لضمان التدفق الآمن للسلع الأساسية والمساعدات الإنسانية.
وفي الشأن الفلسطيني، قال: "وندين بكل قوة استمرار الاعتداءات الوحشية لسلطة الاحتلال على إخوتنا في فلسطين في قطاع غزة، وانتهاكاتها المتعددة للمسجد الأقصى، وندعو المجتمع الدولي ومجلس السلام على وجه الخصوص، لممارسة دوره المأمول للوصول إلى حل سياسي دائم." وأكد: "إن التزام السعودية بحق الشعب الفلسطيني موقف راسخ، وجهد مستمر لن يتوقف إلى أن يحصل الشعب الفلسطيني على حقوقه المشروعة، بما في ذلك إقامة دولته المستقلة وفقًا للمرجعيات الدولية".
وفي اليمن، أكد دعم السعودية الشامل من خلال تحالف دعم الشرعية للحكومة اليمنية لبسط سلطتها على كامل البلاد واستعادة الاستقرار، والتصدي لاعتداءات الميليشيات الحوثية الإرهابية، التي اختارت الفوضى والخراب وتهديد الشعب اليمني والمنطقة مسلكًا لها.
كما أكد موقف السعودية الثابت والداعم لوحدة السودان واستقراره والمحافظة على مؤسساته الشرعية، وتجنيب شعبه مآسي الحرب والدمار. واختتم: "نؤكد أننا نبذل كل جهد ممكن لخفض التصعيد ودعم الحلول الدبلوماسية من دون أدنى تهاون في حفظ أمننا، ولن نتردد بالرد الحازم على أي تهديد أو اعتداء يستهدف المساس به".




