تدفع المجاملة أحيانًا إلى قبول ما لا نريده حتى لا نحرج شخصًا أو نفسد علاقة تجمعنا به. نواجه ذلك في مواقف تبدو عابرة، حين يطرح أحدهم سؤالًا شخصيًا في مناسبة، أو يطلب زميل مساعدة وسط انشغالاته، أو يعرض بائع منتجًا لا نحتاج إليه، فنحاول مراعاة مشاعر من أمامنا من دون أن نتخلى عما يناسبنا.

ومع تكرار هذه اللحظات، قد تتغير الطريقة التي نتعامل بها مع احتياجاتنا وحدودنا، فنبتسم لسؤال عن الراتب أو العمر أو الزواج، ونقبل مهمة لا تدخل ضمن مسؤولياتنا، أو نجرب شيئًا لا يناسبنا حتى لا نكسر خاطر صاحبه.

عند هذه النقطة، تتجاوز المجاملة كونها وسيلة لتجاوز موقف اجتماعي، وتصبح مصدر ضغط حين يدفع الخوف من إزعاج الآخرين إلى التخلي عما نريده. وتوضح الأخصائية النفسية لجين بدوي هذا الفارق من خلال التمييز بين مجاملة تقوم على المرونة، وأخرى ترهق صاحبها.

بين المرونة والضغط

خلال لقاء تلفزيوني في برنامج «يا هلا» المذاع على فضائية روتانا خليجية، أوضحت بدوي أن للمجاملة شكلين، أحدهما صحي والآخر مرهق، وأن الفارق بينهما يتحدد بمدى قدرة الشخص على اتخاذ قراره بنفسه.

وتتضح الصورة في موقف بسيط، حين تدعو صديقة إلى الخروج وتسأل «وش رأيك نطلع اليوم؟». وإذا لم يكن الوقت مناسبًا، يستطيع الشخص أن يقترح موعدًا آخر يلائمه من دون أن يرفض دعوتها أو يفسد العلاقة معها، وتشرح بدوي هذا النوع من التعامل قائلة «بس لما أجي أقول إنه إي والله مناسب لي بس تدرين مو العصر، المغرب أفضل لي، هنا لا، تكون مجاملتي صحية، ما خسرت نفسي وبنفس الوقت كنت مرنة مع الشخص الأمامي».

هنا تظل الرغبة الأصلية حاضرة، وتبقى مساحة التفاوض مفتوحة، فلا تتحول مراعاة الصديقة إلى تنازل عن الراحة، ويختلف الأمر حين يأتي القبول خوفًا من غضبها أو زعلها، فيصبح القرار نفسه مصدر ضغط.

وحتى عندما يكون الرفض هو الخيار المناسب، لا يحتاج إلى لغة قاسية. وتقترح بدوي صيغة تحافظ على لطف الحديث وتوضح سبب الاعتذار، مثل «إن شاء الله نرتبها وقت ثاني، حالياً أنا عندي التزامات وضغط في العمل، نرتب لها وقت ثاني وأبلغك». وبهذه الطريقة، يوضح الشخص أنه غير قادر على الاستجابة، من دون أن يتخلى عن حدوده أو يقطع التواصل.

ويظهر المعنى نفسه في الهدايا، حيث لا يتعلق الأمر بما يُقدَّم وحده، وإنما بالدافع وراء تقديمه ومدى ملاءمته لمن سيتلقاه.

الهدايا ومعنى المجاملة

تدعو بدوي عند اختيار الهدية إلى مراجعة الغرض منها، وهل المقصود أن تفرح بها صاحبتها أو صاحبها، أم أن يحصل مقدمها على تقدير يتناسب مع قيمتها. وتقول «دائماً نركز على قيمة الهدية مو فقط في قيمتها المادية، أيضاً بالمعنوية».

وتربط ملاءمة الهدية بالشخص الذي يتلقاها، مع مراعاة ميزانية من يقدمها. لذلك لا يرتبط تقديرها بسعرها وحده، وإنما بما تلائمه من احتياج وطبيعة العلاقة وقدرة مقدمها.

وتقود هذه الفكرة إلى مواقف أكثر إحراجًا، حين يجد الشخص نفسه أمام سؤال لا يرغب في الإجابة عنه، أو شخص يعرفه ولا يتذكر تفاصيل لقائه به، أو طلب لا تسمح له ظروفه بتنفيذه.

مواقف يومية وحدود واضحة

حين يُسأل الشخص عن راتبه أو عمره، قد لا يرغب في كشف الإجابة، ولهذا تقترح بدوي الالتفاف على السؤال بإعادته إلى صاحبه بدل الدخول في مواجهة مباشرة، فتقول «إذا حسيت السؤال محرج، أسأله هو، طيب أنت وش وظيفتك؟ وش شغلك؟ أقلبها على قولتهم، أخلي الكورة لصالحي أنا بملعبي».

وتسري الفكرة نفسها في موقف مختلف، عندما يحيي أحد المعارف شخصًا بحفاوة، بينما لا يتذكر اسمه أو المناسبة التي جمعتهما. وتقترح بدوي عندها استحضار الموقف المشترك أو الحديث عن المناسبة، حتى يستمر الحوار من دون أن يضطر إلى طرح سؤال مباشر قد يكشف نسيانه.

وتصل المجاملة إلى مكان العمل بصورة أكثر وضوحًا، عندما يطلب زميل إنجاز مهمة في وقت يكون فيه الشخص منشغلًا بمهامه. وترى بدوي أن تلبية الطلب مرة لا تعني الاستمرار في قبوله، إذ يمكن توضيح الظروف والبحث عن بديل بطريقة مباشرة ومهذبة، فتقترح «والله يا فلان كان تبشر كان ودي أسوي هذه الشغلة، بس صدق المهام المطلوبة مني أحتاج أسلمها ضروري وأخاف أتأخر عليك، شوف لو أحد ثاني يقدر يسويها».

تجمع هذه المواقف خيط واحد، فمراعاة من حولنا لا تستوجب التخلي في كل مرة عن الراحة أو الوقت أو الرغبات. يستطيع الشخص أن يحافظ على الود، وفي الوقت نفسه يظل قادرًا على تحديد ما يناسبه وما لا يستطيع فعله.

ويظل الفارق متعلقًا بالدافع وراء الموافقة. حين يختارها الشخص بحرية، يستطيع أن يكون مرنًا ويحافظ على حدوده، أما عندما يدفعه الخوف من الرفض أو من إغضاب الآخرين إليها، تتحول المجاملة إلى ضغط عليه.