لم تعد الموانئ والسفن تعتمد فقط على الخبرة البشرية والمعدات التقليدية لإدارة حركة التجارة، إذ تتجه صناعة النقل البحري بصورة متزايدة إلى استخدام الذكاء الاصطناعي والبيانات والأنظمة الرقمية لتحسين العمليات، من متابعة السفن وإدارة الحاويات إلى التخطيط للموانئ والتنبؤ بالمخاطر.
وتأتي هذه التحولات في وقت تضع فيه المنظمة البحرية الدولية "IMO" الرقمنة ضمن سياساتها لتطوير القطاع، بعدما وافقت لجنة التيسير التابعة للمنظمة في مارس 2026 على استراتيجية للرقمنة البحرية تركز على قابلية التشغيل البيني، وتوحيد الأنظمة، ومشاركة البيانات والحوكمة الفعالة لها، بهدف تحسين الكفاءة وتعزيز سلامة الملاحة.
في اليوم العالمي للملاحة البحرية، الذي يحل في 24 سبتمبر من كل عام، نسلط في السطور التالية الضوء على أبرز التغييرات التي أدخلها الذكاء الاصطناعي على هذا القطاع وكيف سيكون مستقبل الملاحة.
من الموانئ التقليدية إلى الموانئ الذكية
لم يعد الميناء مجرد مساحة لاستقبال السفن وتفريغ الحاويات، بل يتحول تدريجيًا إلى منظومة رقمية تعتمد على البيانات في إدارة العمليات واتخاذ القرارات. وتشير منظمة الأمم المتحدة للتجارة والتنمية UNCTAD إلى أن الرقمنة، بما في ذلك الذكاء الاصطناعي والبلوك تشين والأتمتة، تؤدي دورًا مهمًا في تحسين عمليات الموانئ، وتقليل أوقات الانتظار، وتعزيز تتبع البضائع ورفع كفاءة عمليات إعادة الشحن.
وتقدم سنغافورة نموذجًا واضحًا لهذا التحول، إذ أطلقت هيئة الموانئ البحرية السنغافورية في مارس 2025 أول "توأم رقمي بحري" للميناء، وهو نموذج افتراضي يعتمد على بيانات حية وتاريخية وأدوات للمحاكاة والنمذجة، بما يسمح باختبار سيناريوهات مختلفة وتحسين التخطيط وإدارة المخاطر قبل تنفيذ التغييرات على أرض الواقع.
الأتمتة تدخل إدارة الحاويات
تمثل الحاويات واحدة من أكثر نقاط العمليات البحرية التي يمكن أن تستفيد من الأتمتة وتحليل البيانات، بدءًا من تحديد أماكنها وتنظيم حركتها داخل ساحات التخزين وحتى تنسيق عمليات نقلها بين السفن والأرصفة. وفي ميناء "تواس" بسنغافورة، تعتمد عمليات التشغيل على رافعات ساحات آلية ومركبات موجهة آليًا لنقل الحاويات بين الساحات والأرصفة، مع إدارة العمليات عن بُعد من مركز للتحكم بالميناء. كما تعمل هيئة الموانئ على تطوير أنظمة رقمية لتحسين إدارة حركة السفن وتقليل زمن بقائها في الميناء.
وتتيح هذه الأنظمة استخدام البيانات لتحسين التخطيط ومراقبة العمليات ورصد الاختناقات التشغيلية، بما يدعم تحول الميناء من منشأة تعتمد على الاستجابة للمشكلات إلى منظومة أكثر قدرة على التعامل معها مبكرًا.
السفن تحت المراقبة بالذكاء الاصطناعي
أصبحت متابعة السفن أكثر اعتمادًا على البيانات الرقمية. وتوضح المنظمة البحرية الدولية أن نظام التعريف الآلي "AIS" يتيح تبادل معلومات تشمل هوية السفينة ونوعها وموقعها ومسارها وسرعتها وحالتها الملاحية، كما يسمح بمراقبة السفن وتتبعها وتبادل البيانات مع المحطات الشاطئية.
وتتوسع إمكانات التتبع عندما تضاف بيانات الأقمار الصناعية إلى هذه الأنظمة. وتوضح وكالة الفضاء الأوروبية "ESA" أن أقمار "سنتينل-1" التابعة لبرنامج كوبرنيكوس تجمع بين صور الرادار وإشارات نظام AIS لمراقبة حركة السفن، بما يسمح برصد بعض السفن حتى عندما لا تبث إشارات AIS، وتوفير معلومات تساعد في متابعة اتجاه الحركة والسرعة وتعزيز السلامة والأمن البحري. ومع تراكم هذه البيانات، تتيح تقنيات الذكاء الاصطناعي والتعلم الآلي تحليل كميات كبيرة من المعلومات القادمة من السفن والموانئ والأقمار الصناعية، بما يدعم عمليات التنبؤ واتخاذ القرار.
ويظهر مفهوم "التوأم الرقمي" كأحد أبرز التحولات في الموانئ الحديثة، لأنه ينقل العمليات من مجرد مراقبة ما يحدث إلى محاكاة ما قد يحدث. وفي سنغافورة، يجمع "التوأم الرقمي البحري" بين بيانات الميناء في الوقت الفعلي والبيانات التاريخية وأدوات المحاكاة، بما يسمح بعرض حركة السفن والطقس والأنشطة التشغيلية في صورة واحدة، إلى جانب اختبار سيناريوهات مختلفة وتحليل فرص تحسين المسارات والموارد.
كما تتجه موانئ أخرى إلى استخدام النماذج الرقمية والذكاء الاصطناعي في إدارة البنية التحتية. وتوضح هيئة ميناء روتردام أنها تستخدم أجهزة استشعار وبيانات لحظية لمراقبة الأصول، وتوظف الذكاء الاصطناعي في اكتشاف الحالات غير الطبيعية ودعم عمليات التفتيش والصيانة، إلى جانب تطوير أنظمة لتحسين إدارة حركة السفن.
السفن الذكية والملاحة الذاتية
لا تتوقف الرقمنة عند الميناء، بل تمتد إلى السفينة نفسها. ففي أبريل 2026، أعلنت هيئة الموانئ البحرية السنغافورية وهيئة "PSA" دعوة الشركات لتقديم مقترحات لتطوير واختبار تشغيل سفن حاويات ذاتية بين المحطات داخل ميناء سنغافورة.
ويهدف المشروع إلى اختبار استخدام السفن ذاتية التشغيل في عمليات الميناء، مع التركيز على السلامة الملاحية، والتعامل مع السفن المأهولة، وإدارة حركة المرور، والأمن السيبراني والتفاعل بين الإنسان والآلة. وتأتي هذه التجارب بالتوازي مع تحرك دولي نحو وضع إطار تنظيمي للتقنيات البحرية الجديدة، في وقت تؤكد فيه المنظمة البحرية الدولية أن الرقمنة يجب أن تكون متمحورة حول الإنسان وقادرة على الصمود أمام الاضطرابات والتهديدات السيبرانية.
الكفاءة.. الوجه الآخر للذكاء الاصطناعي
تستهدف هذه التقنيات في النهاية مشكلة أساسية في النقل البحري: كيف يمكن نقل كميات أكبر من البضائع بسرعة وكفاءة أكبر، مع تقليل أوقات الانتظار واستخدام الموارد بصورة أفضل. وترى UNCTAD أن الاستثمار في تقنيات رقمية مثل الذكاء الاصطناعي والأتمتة يمكن أن يساعد الموانئ على تبسيط العمليات وتقليل الازدحام وتحسين كفاءة سلاسل الإمداد.
وفي المقابل، تشير تجارب الموانئ الرقمية إلى أن القيمة لا تأتي من التقنية وحدها، وإنما من قدرتها على ربط البيانات بين السفن والموانئ وشركات الشحن والجهات الحكومية، وهو ما تؤكد عليه استراتيجية المنظمة البحرية الدولية للرقمنة، التي تضع قابلية التشغيل البيني وتبادل البيانات والحوكمة ضمن ركائزها الأساسية.
كلما أصبحت عمليات الملاحة أكثر اعتمادًا على الأنظمة الرقمية، زادت أهمية حماية هذه الأنظمة من الاختراق أو التعطل. ولهذا ربطت المنظمة البحرية الدولية بين التحول الرقمي وتعزيز الأمن السيبراني، ووافقت لجنة التيسير التابعة للمنظمة في مارس 2026 على تعديلات تتعلق بتدابير الأمن السيبراني لحماية منصات "النافذة البحرية الواحدة" التي تستخدمها السلطات لتبادل المعلومات مع السفن والجهات الحكومية، على أن تُعرض التعديلات للاعتماد في 2027.
كما تظل البيانات وجودتها وتبادلها بين الأنظمة المختلفة من التحديات الرئيسية أمام التحول الرقمي، إلى جانب الحاجة إلى تدريب العاملين على التعامل مع التقنيات الجديدة.




