ليلًا، وفي مياه ضيقة تحاصرها المخاطر من كل اتجاه، تحرك غواصون وقوارب روبوتية ومعدات متخصصة تحت سطح مضيق هرمز. كانت الفرق الأمريكية تمسح المياه بحثًا عن ألغام بحرية، في مهمة استمرت نحو 4 أشهر وسط ظروف شديدة الخطورة، لتأمين واحد من أهم ممرات الطاقة في العالم.

ظهرت تفاصيل المهمة لاحقًا، بعدما ادعت إيران أنها زرعت ألغامًا في المياه الدولية والعمانية، فيما قدرت المنظمة البحرية الدولية عددها بنحو 80 لغمًا في ممرات حيوية، وبين مواجهة الهجمات الإيرانية في المضيق، وتأمين ممرات الشحن الدولية، ظلت عملية إزالة الألغام تجري بعيدًا عن الأنظار.

المطاردة بدأت من الأعماق

تختلف الطريقة التي جرت بها العملية في هرمز عن عمليات إزالة الألغام التقليدية، إذ تتحرك السفن المتخصصة عادة ذهابًا وإيابًا لمسح الممر المائي، ثم تقطع الألغام من مواضعها أو تدمرها بعد ظهورها على السطح. أما في هرمز، فاعتمدت الفرق الأمريكية بدرجة أكبر على مجموعات صغيرة من الغواصين، وقوارب قابلة للنفخ، وأنظمة روبوت تعمل تحت الماء وفوقه.

ومع تحرك هذه الفرق في المياه، ساعدت أجهزة السونار عالية الدقة في رصد الأجسام الموجودة على قاع البحر، ما أتاح مسح مساحات واسعة مع تقليل تعرض الطواقم للخطر.

وحين يظهر جسم مشتبه فيه، تبدأ مهمة الغواص الذي ينزل إلى المياه ويقترب من اللغم ويضع شحنة لتدميره.

وكانت الغواصات الروبوتية تؤدي المهمة نفسها باستخدام المتفجرات، وفق ما أشار إليه برايان كلارك، الخبير في إزالة الألغام. وفي وصفه لطبيعة العملية، قال نيتيا لاب، من تشاتام هاوس، إنها «تفجير نشط للقنابل تحت الماء»، في مهمة شديدة البطء والحساسية.

ومع بطء هذا النوع من العمليات، لم يكن العثور على جسم في قاع البحر كافيًا للتعامل معه، إذ كان يتعين على الفرق تحديد طبيعته أولًا قبل الاقتراب منه وتدميره. ولهذا ظلت المهمة محفوفة بالمخاطر، خصوصًا مع بطء تحركات قوات مكافحة الألغام وضعف دفاعات بعض القوارب والطائرات المشاركة فيها.

إزالة الألغام لا تعني انتهاء الخطر

ورغم عدم تسجيل قتلى أمريكيين مرتبطين مباشرة بعملية الإزالة، فإن الخطر لم ينتهِ مع تدمير الألغام التي عثرت عليها الفرق. فقد رأى ملاك السفن ومستشارو الأمن البحري أن الجزء الجنوبي من المضيق، المحاذي لساحل عمان، أصبح أكثر أمانًا، مع استمرار الشكوك بشأن بقية المناطق.

وتنعكس هذه الشكوك مباشرة على حركة السفن وكلفة تأمينها، إذ يكفي احتمال وجود ألغام لإبعاد السفن عن المضيق ورفع أسعار التغطية التأمينية إلى نحو 10 أضعاف مستويات ما قبل الحرب، بما قد يعني نحو 10 ملايين دولار لناقلة نفط عملاقة واحدة.

أكثر من 200 جسم تحت الماء

وفي الوقت الذي ظلت فيه مواقع بعض الألغام محل شك، أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أن جميع الألغام في المياه الدولية للمضيق أزيلت أو دمرت. ثم قدم قائد القيادة المركزية الأمريكية، الأدميرال براد كوبر، تفاصيل عن العملية، وقال إن القوات الأمريكية طهرت ممرات الشحن الدولية التي زرعتها إيران، باستخدام غواصين وقوات من وحدات مختلفة وقوة جوية.

وتشير تفاصيل المهمة إلى حجم العمل الذي جرى تحت الماء، إذ تعاملت القوات الأمريكية مع أكثر من 200 جسم شبيه بالألغام في الممر الرئيسي، تبين أن 11 منها ألغام فعلية، بحسب تقرير نقلته أكسيوس عن مسؤولين أمريكيين.

ومع أن عدد الألغام التي جرى العثور عليها كان أقل من عدد الأجسام التي خضعت للفحص، فإن المهمة ظلت مرتبطة بالخطر نفسه الذي دفع إلى تنفيذها، خصوصًا أن الألغام المنجرفة أو غير المكتشفة يمكن أن تظل مصدر تهديد لحركة الملاحة.

ولهذا أبقت أحدث الإرشادات على مستوى تهديد «شديد»، مع استمرار التحذير من الألغام المنجرفة وغير المعروفة، فضلًا عن هجمات استهدفت ناقلات قرب عمان. وفي الوقت نفسه، بقي تدفق النفط عند نحو 5 ملايين برميل يوميًا، مقارنة بأكثر من 20 مليونًا قبل الحرب.