تسعى السعودية إلى تحويل المياه المالحة المتبقية بعد تحلية مياه البحر إلى مورد لإنتاج الأعلاف والأسمدة ومواد تدخل في الصناعات الدوائية والتجميلية. وتطور الهيئة السعودية للمياه، ممثلة في معهد ابتكار تقنيات المياه والأبحاث المتقدمة «وتيرا»، مشروعًا لاستزراع الطحالب الدقيقة باستخدام الرجيع الملحي الناتج عن عمليات التحلية وثاني أكسيد الكربون، في خطوة تربط بين تقنيات المياه والابتكار الحيوي والاقتصاد الدائري.
وبحسب إعلان وكالة الأنباء السعودية «واس» في 2 نوفمبر 2026، يستعد المعهد لإنشاء بيئة متكاملة للاستزراع في واحة المياه للابتكار بمحافظة رابغ، لدراسة كفاءة تقنيات الإنتاج وجدواها الاقتصادية، وتحديد فرص التوسع في تطبيقاتها الصناعية.
المستهدف
ويستهدف المشروع إنتاج 60 طنًا من الطحالب الدقيقة سنويًا لاستخدامها في تطوير أعلاف للحيوانات والأسماك، إلى جانب 8000 متر مكعب من السماد الحيوي، و20 كيلوجرامًا من المواد التي تدخل في التطبيقات الدوائية والتجميلية.
الطحالب الدقيقة كائنات حية مجهرية تعيش في البيئات المائية، وينتمي كثير منها إلى الكائنات القادرة على البناء الضوئي، إذ تستخدم ضوء الشمس وثاني أكسيد الكربون والماء لإنتاج المواد العضوية التي تحتاج إليها للنمو، مع إطلاق الأكسجين. وتختلف عن الطحالب الكبيرة التي يمكن رؤيتها بالعين المجردة، كما تتباين أنواعها في تركيبها الكيميائي وسرعة نموها وقدرتها على تحمل الملوحة والظروف البيئية المختلفة.
مادة أولية لصناعات الغذاء والأعلاف
وتكمن أهميتها الصناعية في أن خلاياها تحتوي، بحسب النوع وظروف الاستزراع، على نسب متفاوتة من البروتينات والدهون والكربوهيدرات، فضلًا عن أصباغ ومركبات حيوية يمكن فصلها واستخلاصها. وتوضح مراجعة علمية منشورة عام 2023 أن هذه المكونات جعلت الطحالب الدقيقة مادة أولية لصناعات الغذاء والأعلاف والتطبيقات الدوائية والتجميلية.
تقوم فكرة المشروع السعودي على توظيف موردين في عملية الاستزراع: الرجيع الملحي، وهو المياه ذات التركيز المرتفع من الأملاح المتبقية بعد استخلاص المياه العذبة من مياه البحر، وثاني أكسيد الكربون الذي تستفيد منه الطحالب في عملية البناء الضوئي.
ولا يعني استخدام الرجيع الملحي أن جميع أنواعه تصلح مباشرة لنمو الطحالب، إذ تتوقف ملاءمته على نوع الطحالب وتركيز الأملاح وتركيب المياه والعناصر الغذائية المتاحة. لذلك يمثل اختيار السلالة المناسبة وضبط ظروف الاستزراع جزءًا أساسيًا من تطوير التقنية.
تجربة واعدة
وفي دراسة علمية سعودية منشورة في يونيو 2026 بمجلة «Journal of King Saud University – Science»، اختبر باحث من جامعة الملك عبدالعزيز قدرة طحلب «Dunaliella salina» على النمو باستخدام مياه الرجيع الملحي الفعلية الناتجة عن محطة تحلية بالتناضح العكسي. وأظهرت النتائج قدرة الطحلب على النمو عند ملوحة تقارب 50 جزءًا في الألف، مع تحسن إنتاج الكتلة الحيوية بعد إضافة العناصر الغذائية المناسبة، إذ بلغ إنتاج الكتلة الحيوية 1.438 جرام لكل لتر في ظروف التجربة.
وتقدم هذه الدراسة مثالًا بحثيًا على إمكان توظيف الرجيع الملحي في إنتاج مواد حيوية، لكنها تجربة مستقلة عن مشروع «وتيرا»، ولا تمثل نتائج تشغيلية أو إنتاجية معلنة للمشروع الجديد.
بعد نمو الطحالب، تأتي مرحلة جمع الخلايا وفصلها عن المياه، ثم تركيز الكتلة الحيوية وتجفيفها أو معالجتها بحسب المنتج المستهدف، إذ يمكن استخدام الكتلة الناتجة مباشرة بعد تجهيزها، أو فصل مكوناتها للحصول على مواد أكثر تركيزًا.
وفي صناعة الأعلاف، تبرز البروتينات والأحماض الأمينية والدهون، بما فيها بعض أحماض أوميجا 3، بوصفها مكونات ذات قيمة غذائية. وتُستخدم أنواع من الطحالب بالفعل في تغذية الأحياء المائية، سواء بصورة مباشرة أو ضمن التركيبات العلفية، كما تدخل في تغذية الكائنات الدقيقة التي تعتمد عليها بعض الأسماك خلال مراحل نموها الأولى.
أما السماد الحيوي فيمكن إنتاجه من الكتلة الحيوية للطحالب أو مستخلصاتها، التي قد توفر عناصر غذائية ومركبات حيوية تساعد على دعم نمو النباتات وتحسين خصائص التربة.
منتجات العناية بالبشرة
وتحتوي بعض أنواع الطحالب الدقيقة على مركبات عالية القيمة، من بينها الكاروتينات مثل البيتا كاروتين والأستازانتين، والأصباغ البروتينية مثل الفيكوسيانين، إضافة إلى الأحماض الدهنية والمواد المضادة للأكسدة. وتُستخدم بعض هذه المركبات في تطوير مكونات لمنتجات العناية بالبشرة ومستحضرات التجميل، بينما تخضع مركبات أخرى للدراسة والتطوير في التطبيقات الدوائية والتغذوية.
ولا يعني وجود هذه المركبات أن كل نوع من الطحالب ينتجها جميعًا، إذ يرتبط تركيب الخلايا بنوع الكائن وظروف نموه، كما تتطلب التطبيقات الدوائية والتجميلية استخلاص المواد المستهدفة وتنقيتها والتحقق من جودتها وسلامتها.
ويعمل معهد «وتيرا» على تطوير تقنيات الاستزراع باستخدام أنظمة مفتوحة وأخرى مغلقة، وفق إعلان «واس». ففي الأحواض المفتوحة، تنمو الطحالب في أحواض ضحلة تسمح بوصول ضوء الشمس إليها، مع تحريك المياه لضمان توزيع الخلايا والعناصر الغذائية، ويتميز هذا النظام ببساطة تصميمه وإمكان استخدامه في الإنتاج واسع النطاق.
أما الأنظمة المغلقة، المعروفة بالمفاعلات الحيوية الضوئية، فتتيح نمو الطحالب داخل وحدات شفافة مثل الأنابيب أو الألواح، مع التحكم بدرجة أكبر في ظروف الإضاءة والتهوية ودرجة الحرارة وتركيز ثاني أكسيد الكربون.




