تتصدر كوبنهاغن قائمة المدن الأكثر ملاءمة للعيش في العالم لعام 2026، بينما تتقدم نيويورك في تصنيف آخر يقيس الأداء الحضري الشامل. في المقابل، تظهر الرياض ضمن أفضل 50 مدينة في مؤشر المدن العالمية، وتحتل المركز 24 في مؤشر المدن الذكية.
تُظهر هذه النتائج أن تقييم المدن لا يتوقف عند حجم الاقتصاد أو التطور العمراني أو التحول الرقمي. فالنقل العام، وتوافر المساحات العامة، وتكلفة السكن، والأمان، ومستويات التلوث، عوامل تحدد كيف ينعكس التطور على الحياة اليومية للسكان.
وتكتسب المقارنة أهمية مع حلول اليوم العالمي للمدن في 31 أكتوبر، الذي يركز في نسخة 2026 على تجديد المدن وتوفير السكن الملائم للجميع، ما يطرح تساؤلًا عن موقع المدن السعودية بين التجارب العالمية، وما تكشفه المؤشرات عن التقدم المحرز والتحديات المتبقية.
كوبنهاغن تتصدر
جاءت كوبنهاغن في المركز الأول بمؤشر قابلية العيش لعام 2026 الصادر عن وحدة المعلومات التابعة لمجموعة «الإيكونوميست»، تلتها فيينا، ثم ملبورن وسيدني وزيورخ وجنيف وأوساكا وأديلايد وفانكوفر وطوكيو. شمل التصنيف 173 مدينة، وقاس ظروف المعيشة عبر الاستقرار والرعاية الصحية والثقافة والبيئة والتعليم والبنية التحتية، وفق النتائج التفصيلية لمؤشر قابلية العيش لعام 2026.
وفي الطرف المقابل، جاءت دمشق في المركز الأخير، تلتها طرابلس الليبية ودكا وكراتشي والجزائر العاصمة، ضمن المدن العشر الأخيرة. ويعكس التفاوت بين طرفي القائمة اختلاف ظروف الاستقرار وتوافر الخدمات والبنية الأساسية، وإن كان الترتيب الإجمالي لا يفسر وحده أسباب تراجع كل مدينة.
يكشف المؤشر عن حضور مدن أوروبية وأسترالية ويابانية بين المراتب الأولى، لكنه لا يقيس جميع جوانب الأداء الحضري؛ فالمدينة المتقدمة في قابلية العيش ليست بالضرورة صاحبة أقوى اقتصاد، أو الأقل تلوثًا، أو الأرخص في تكاليف السكن.
نيويورك والرياض
تختلف النتائج في مؤشر المدن العالمية لعام 2026 الصادر عن «أكسفورد إيكونوميكس»، الذي يقارن ألف مدينة عبر خمسة محاور: الاقتصاد، ورأس المال البشري، وجودة الحياة، والبيئة، والحوكمة.
تصدرت نيويورك القائمة، تلتها لندن وباريس، ثم سياتل وسان فرانسيسكو. وجاءت طوكيو وزيورخ ضمن المدن العشر الأولى، بينما احتلت الرياض المركز 50، وهو ترتيب متقدم وفق النتائج الرسمية لمؤشر أكسفورد إيكونوميكس لعام 2026.
يضع هذا التصنيف الرياض ضمن المدن ذات الحضور العالمي في الأداء الحضري، لكنه لا يعني تقدمها في كل عناصر جودة الحياة؛ فالمؤشر يجمع عوامل اقتصادية وبشرية وبيئية وحوكمية، ويمكن أن تعوض قوة أحد المحاور تراجع محور آخر في النتيجة الإجمالية.
وتكشف المقارنة بين نيويورك والرياض اختلاف موقع كل مدينة بحسب المعيار المستخدم؛ فالتصنيف الشامل يقيس مزيجًا من القدرات الاقتصادية والبشرية والبيئية، بينما يركز مؤشر قابلية العيش على الظروف والخدمات التي تؤثر مباشرة في حياة السكان.
المدن السعودية
لا تقتصر المقارنة السعودية على العاصمة والمدن الكبرى التقليدية. ففي مؤشر المدن الذكية لعام 2026، الصادر عن المعهد الدولي للتنمية الإدارية (IMD)، ظهرت ثماني مدن سعودية ضمن 148 مدينة عالميًا: الرياض في المركز 24، وحائل في المركز 33، ومكة المكرمة في المركز 50، وجدة في المركز 55، والخبر في المركز 64، والمدينة المنورة في المركز 67، والعلا في المركز 85، وحفر الباطن في المركز 100.
وتباينت حركة المدن مقارنة بإصدار 2025؛ إذ تقدمت الرياض من المركز 27 إلى 24، بينما تراجعت مكة المكرمة من 39 إلى 50، وجدة من 47 إلى 55، والخبر من 61 إلى 64. وحافظت المدينة المنورة على المركز 67، فيما دخلت حائل وحفر الباطن التصنيف للمرة الأولى، وتقدمت العلا من المركز 112 إلى 85.
يقيس مؤشر المدن الذكية 2026 تصورات السكان عن الخدمات والبنية التحتية والتكنولوجيا في مجالات مثل الصحة والأمان والتنقل والأنشطة والحوكمة. لذلك لا ينبغي اعتباره ترتيبًا شاملًا لجودة الحياة، أو دليلًا على أن المدينة الأعلى فيه هي الأفضل من حيث الهواء أو السكن أو تكاليف المعيشة.
وتظهر أهمية هذا التمييز عند مقارنة نتائج المؤشرات السعودية الرسمية والدولية؛ فتقرير الهيئة العامة للإحصاء عن قابلية العيش في الرياض وجدة والخبر لعام 2025 يتناول المدن الثلاث عبر ستة محاور تشمل الأمان والصحة والبيئة والثقافة والتعليم والبنية التحتية، لكنه لا يشمل المدن السعودية الثماني جميعها، ولا يمثل تصنيفًا عالميًا موحدًا.
جودة الهواء.. الرياض مقارنة بعواصم العالم
تقدم جودة الهواء اختبارًا مختلفًا لأداء المدن، لارتباطها بالتعرض اليومي للملوثات وتأثيراتها الصحية، ولا يمكن استنتاجها من ترتيب المدينة في الاقتصاد أو الخدمات الرقمية. ووفق تقرير IQAir العالمي لجودة الهواء لعام 2025، بلغ متوسط تركيز الجسيمات الدقيقة PM2.5 في السعودية 28.9 ميكروجرام لكل متر مكعب، أي نحو 5.8 أمثال المستوى الإرشادي السنوي لمنظمة الصحة العالمية البالغ 5 ميكروجرامات لكل متر مكعب.
وسجلت الرياض متوسطًا سنويًا قدره 28.8 ميكروجرام لكل متر مكعب في 2025، مقارنة بـ23.7 في 2024، و26.1 في 2023، و46.2 في 2022، وفق بيانات IQAir الخاصة بالرياض. ويشير ذلك إلى ارتفاع المتوسط السنوي مقارنة بعام 2024، لكنه يظل أقل من المستوى المسجل في 2022.
وتوضح المقارنة مع عواصم أخرى حجم التفاوت في التعرض للجسيمات الدقيقة؛ فقد سجلت نيودلهي 82.2 ميكروجرام لكل متر مكعب في 2025، وداكا 68، والقاهرة 40.8، والكويت 45.7، وأبوظبي 38.6. في المقابل، بلغ المتوسط 8.4 في كوبنهاغن و9.9 في لندن، وفق جدول العواصم الوارد في تقرير IQAir لعام 2025.
تضع هذه الأرقام الرياض في موقع أقل تلوثًا من عواصم مثل نيودلهي وداكا والقاهرة والكويت من حيث متوسط PM2.5 السنوي، ولا يعني ذلك أن هذه المقارنة وحدها تحسم جودة الهواء الكلية؛ فهي تقتصر على ملوث محدد، ولا تغطي جميع الملوثات أو الفروق داخل كل مدينة.
النقل العام
إلى جانب الهواء، يمثل النقل العام أحد العناصر المؤثرة في جودة الحياة، من خلال تقليل الاعتماد على السيارات الخاصة، وتسهيل الوصول إلى العمل والخدمات، والحد من الازدحام والانبعاثات.
وأعلنت الهيئة العامة للنقل أن عدد مستفيدي وسائل النقل العام في السعودية بلغ 420.6 مليون راكب خلال 2025، بزيادة 129% مقارنة بـ183.3 مليون راكب في 2019. وارتفع عدد مستخدمي النقل العام بنسبة 61% بين 2024 و2025، فيما أصبحت خدمات الحافلات تعمل في 17 مدينة ومحافظة، مقابل أربع فقط في 2019، وفق بيانات الهيئة المنشورة عبر وكالة الأنباء السعودية.
وفي الرياض، تجاوز عدد مستخدمي المترو 100 مليون راكب خلال الأشهر التسعة الأولى من تشغيله، وفق بيانات برنامج الأمم المتحدة للمستوطنات البشرية عن التحضر في السعودية. وتمثل هذه الأرقام توسعًا في استخدام وسائل النقل الجماعي، لكنها لا تكفي وحدها للحكم على أثرها في الازدحام أو التلوث؛ إذ يتطلب ذلك بيانات إضافية عن حركة المرور والانبعاثات قبل التوسع وبعده.
وفي المساحات العامة، ارتفع نصيب الفرد في السعودية من 5.2 متر مربع عام 2021 إلى 6.9 متر مربع عام 2024، بحسب بيانات الأمم المتحدة للمستوطنات البشرية، التي تشير أيضًا إلى وصول 74.89% من السكان إلى المساحات العامة. وعلى مستوى السكن، بلغت نسبة تملك الأسر للمساكن 66.24% في 2025، وفق المصدر نفسه.
وتساعد هذه المؤشرات على استكمال صورة المدن السعودية خارج نطاق الترتيبات العالمية؛ فهي تقيس جوانب عملية من الحياة الحضرية، مثل الوصول إلى المساحات العامة واستخدام النقل الجماعي وامتلاك السكن.




