قد يعيش شخص سنوات مع ارتفاع مستوى السكر في الدم دون أن يعرف إصابته بالسكري؛ فلا يلاحظ عطشًا غير معتاد، ولا يربط التعب المتكرر باضطراب الجلوكوز، وقد لا يكتشف المرض إلا عند إجراء تحليل دم لسبب آخر، بينما يستمر ارتفاع السكر تدريجيًا دون علامات واضحة تدفعه لطلب المساعدة الطبية.

وتكشف الفجوة بين الإصابة والتشخيص حجم المشكلة؛ إذ تشير "منظمة الصحة العالمية في حملتها لليوم العالمي للسكري 2026" إلى أن أكثر من 40% من المصابين بالمرض حول العالم لا يعرفون بإصابتهم. ويأتي ذلك بعدما ارتفع عدد المصابين من 200 مليون شخص عام 1990 إلى نحو 830 مليونًا عام 2022

وفي 14 نوفمبر، الذي يوافق اليوم العالمي للسكري، تركز حملة هذا العام على شعار «الإجراء المبكر تجاه السكري» (Early action on diabetes)، داعية إلى التعرف على العلامات المحتملة للمرض، وطلب المشورة الطبية، وتحسين فرص التشخيص والرعاية قبل ظهور المضاعفات. وتدعم المنظمة هدفًا عالميًا يقضي بتشخيص 80% من المصابين بالسكري بحلول عام 2030.

اكتشاف السكري

يرتبط تأخر اكتشاف المرض بطبيعة تطوره، خصوصًا في النوع الثاني، الذي يمثل أكثر من 95% من حالات السكري عالميًا، بحسب "إجابة منظمة الصحة العالمية المنشورة في سبتمبر 2026". ويحدث هذا النوع عندما لا تستجيب خلايا الجسم للإنسولين بالكفاءة المطلوبة، وهي الحالة المعروفة بمقاومة الإنسولين، ثم قد لا يستطيع البنكرياس إنتاج كمية كافية منه للتغلب على هذه المقاومة. والإنسولين هرمون ينتجه البنكرياس يساعد الجلوكوز على الانتقال من الدم إلى الخلايا لاستخدامه مصدرًا للطاقة، وفقًا لشرح "المعاهد الوطنية الأمريكية للسكري وأمراض الجهاز الهضمي والكلى".

ولا يحدث هذا الخلل بالضرورة بصورة مفاجئة؛ إذ يمكن أن يرتفع مستوى السكر تدريجيًا دون أن يصاحبه في المراحل الأولى عطش شديد أو تبول متكرر أو فقدان ملحوظ للوزن. وتوضح "معايير الرعاية الطبية لمرضى السكري لعام 2026، المنشورة في دورية Diabetes Care"، أن النوع الثاني قد يظل غير مشخص سنوات، لأن ارتفاع السكر يتطور تدريجيًا، وقد لا تصاحبه في البداية العلامات التقليدية لفرط سكر الدم.

ويختلف ذلك عن النوع الأول، الذي يرتبط بتدمير مناعي لخلايا البنكرياس المنتجة للإنسولين، وقد تظهر أعراضه خلال أيام أو أسابيع، ويحتاج المصاب به إلى الإنسولين. أما النوع الثاني فقد تمر سنوات قبل ملاحظة أعراضه، وقد تكون خفيفة أو غائبة، بحسب "منظمة الصحة العالمية".

علامات تستدعي الانتباه

تشمل العلامات الشائعة للسكري الشعور بالعطش أكثر من المعتاد، وكثرة التبول، والجوع، والإرهاق، وتشوش الرؤية، وفقدان الوزن دون سبب واضح. وتورد "منظمة الصحة العالمية في دليلها عن أعراض السكري" هذه العلامات ضمن المؤشرات التي ينبغي الانتباه إليها وطلب المشورة الطبية عند ظهورها.

لكن وجود عرض أو أكثر لا يعني بالضرورة الإصابة بالسكري؛ فالعطش والإرهاق وتشوش الرؤية قد ترتبط بأسباب صحية أخرى، ولا يستطيع الشخص تحديد مستوى الجلوكوز في دمه اعتمادًا على إحساسه وحده. وفي المقابل، لا يستبعد غياب هذه العلامات وجود المرض، خصوصًا في النوع الثاني، وفقًا "للمراكز الأمريكية لمكافحة الأمراض والوقاية منها"، التي توضح أن الأعراض قد تتطور على مدار سنوات دون أن يلاحظها المصاب، وأحيانًا لا تكون هناك أعراض واضحة.

وتظهر هنا أهمية التمييز بين الأعراض والتشخيص؛ فالأعراض تنبه إلى احتمال وجود مشكلة تستدعي الفحص، لكن تأكيد الإصابة يحتاج إلى قياس مستوى السكر في الدم وفق معايير طبية محددة. وتعتمد الاختبارات التشخيصية على قياس الجلوكوز في الدم، أو نسبة الهيموجلوبين المرتبط به، ويحدد الطبيب الاختبار الأنسب وفق الحالة الصحية ووجود أعراض من عدمه.

السكر التراكمي

أول هذه الاختبارات هو تحليل السكر التراكمي (HbA1c)، الذي يقيس متوسط مستويات الجلوكوز خلال الشهرين إلى الثلاثة أشهر السابقة، ولا يتطلب الصيام. وتُعد النتيجة التي تبلغ 6.5% أو أكثر ضمن نطاق تشخيص السكري، وفقًا "لمعايير الجمعية الأمريكية للسكري لعام 2026".

أما الاختبار الثاني فهو تحليل سكر البلازما أثناء الصيام (FPG)، ويُجرى بعد الامتناع عن تناول الطعام والمشروبات المحتوية على سعرات حرارية لمدة لا تقل عن ثماني ساعات. ويشير وصول النتيجة إلى 126 ملليجرامًا لكل ديسيلتر أو أكثر إلى نطاق تشخيص المرض.

ويأتي اختبار تحمل الجلوكوز الفموي (OGTT) ضمن الاختبارات المعتمدة أيضًا؛ إذ يقيس مستوى السكر بعد ساعتين من تناول محلول يحتوي على 75 جرامًا من الجلوكوز، وتُعد النتيجة التي تبلغ 200 ملليجرام لكل ديسيلتر أو أكثر ضمن نطاق تشخيص السكري. وتشرح "المعاهد الوطنية الأمريكية للسكري" طريقة إجراء هذه الاختبارات والفروق بينها.

وهناك اختبار رابع هو قياس السكر العشوائي، الذي يمكن إجراؤه في أي وقت من اليوم دون اشتراط الصيام. وتبلغ النتيجة الحد التشخيصي عند 200 ملليجرام لكل ديسيلتر أو أكثر، إذا اقترنت بأعراض ارتفاع السكر التقليدية أو بأزمة ارتفاع حادة، وفقًا "للجمعية الأمريكية للسكري".

لماذا لا تكفي نتيجة واحدة أحيانًا؟

لا يعني بلوغ أحد الحدود التشخيصية بالضرورة تأكيد الإصابة من تحليل واحد؛ ففي غياب الارتفاع الواضح للسكر المصحوب بأعراض تقليدية أو أزمة حادة، تشترط معايير الجمعية الأمريكية للسكري تأكيد النتيجة باختبار ثانٍ غير طبيعي، سواء بإعادة الاختبار نفسه في وقت آخر أو باستخدام اختبار مختلف.

فإذا أظهر تحليل السكر التراكمي نتيجة أعلى من الحد التشخيصي، بينما جاءت نتيجة سكر الصيام أقل من الحد، فقد يطلب الطبيب إعادة الاختبار الذي أظهر الارتفاع للتحقق من النتيجة. وتوصي "معايير الجمعية لعام 2026" بمراجعة العوامل التي قد تؤثر في دقة الاختبارات عند وجود اختلاف واضح بين نتائجها.

ولا تقتصر المسألة على اختلاف النتائج؛ فقد تتأثر دقة السكر التراكمي ببعض الحالات الصحية التي تغير عمر خلايا الدم الحمراء أو طبيعة الهيموجلوبين. وتوضح "المعاهد الوطنية الأمريكية للسكري في شرحها لاختبار HbA1c" أن نقص الحديد الشديد، مثل فقر الدم الناتج عن نقص الحديد، قد يؤدي إلى ارتفاع زائف في نتيجة التحليل، كما يمكن أن تؤثر بعض اضطرابات الهيموجلوبين وأمراض الكلى وفقدان الدم في دقته.

وفي هذه الحالات، لا يكون السكر التراكمي وحده بالضرورة الاختبار الأنسب للتشخيص؛ إذ توصي "الجمعية الأمريكية للسكري" بالاعتماد على معايير قياس الجلوكوز في البلازما عندما تتأثر العلاقة بين نتيجة HbA1c ومستوى السكر الفعلي.