فقدان طفل بسبب اضطراب دماغي نادر دون معرفة السبب يترك الأسر أمام سؤال مفتوح: هل يتكرر الأمر مع طفل آخر؟ هذه الحيرة عاشتها أسر لسنوات، قبل أن يقود تعاون بحثي سعودي ودولي إلى ربط حالات متفرقة من ثلاث قارات، والكشف عن تغيرات في جين واحد تفسر على الأرجح هذا الاضطراب.

فريق بحثي وطني تقوده مشاركة علمية من جامعة الملك عبدالله للعلوم والتقنية (كاوست) وباحثون وأطباء من مستشفى الملك فيصل التخصصي ، نجح في تحديد ارتباط تغيرات الجين VPS25 بمرض عصبي نمائي نادر يبدأ قبل الولادة، ويسبب تشوهات في بنية الدماغ ومضاعفات عصبية شديدة قد تؤدي إلى الوفاة في مرحلة الطفولة المبكرة.

نُشرت النتائج في مجلة "Genome Medicine" في 14 سبتمبر 2026 في دراسة جمعت خمس أسر لا تربط بينها صلة قرابة، من السعودية وأوروبا وأمريكا الشمالية. ويبرز في هذا العمل الدور السعودي في اكتشاف المرض، إذ جرى التعرف على ثلاث من الأسر الخمس من خلال برامج جينومية في المملكة، قبل أن يربط الباحثون نتائجها بحالات أخرى خارجها.

وبحسب الإعلان الرسمي لـKAUST عن نتائج التعاون البحثي، أتاح الجمع بين الأدلة السريرية والبحثية والبيانات الجينومية تحديد نمط مشترك لم يكن من السهل اكتشافه عند دراسة كل أسرة بمفردها، وتقديم أول دليل على ارتباط تغيرات جين VPS25 باضطراب لدى الإنسان.

لم يكن الاكتشاف نتيجة فحص جيني منفرد، وإنما جاء بعد عمل مشترك جمع بين الخبرة السريرية للأطباء في مستشفى الملك فيصل، الذين تعاملوا مباشرة مع الأسر ووثقوا الأعراض وبحثوا عن أسبابها الوراثية، والدراسات المعملية التي أجراها باحثو KAUST لفهم ما يحدث داخل الخلايا المصابة.

دور المؤسسات السعودية

لم يكن الدور السعودي مقتصرًا على استضافة الباحثين أو توفير بعض الحالات للدراسة، بل امتد إلى مراحل أساسية من العمل؛ إذ تولى أطباء مستشفى الملك فيصل التخصصي التعامل مع الأسر المتضررة، وتوثيق الأعراض السريرية، والتحقيق في الأسباب الوراثية المحتملة، بينما تولى فريق KAUST إجراء التجارب المعملية التي ساعدت على تفسير تأثير التغيرات الجينية في الخلايا.

وكانت برامج الجينوم في المملكة نقطة انطلاق مهمة في هذا المسار؛ فقد تعرف الباحثون من خلالها على ثلاث من الأسر الخمس التي شملتها الدراسة، ثم ربطوا بياناتها بحالات إضافية من أوروبا وأمريكا الشمالية. وبذلك تحولت البيانات التي جُمعت محليًا إلى جزء أساسي من المقارنة الدولية التي قادت إلى تحديد المرض.

أعراض تبدأ قبل الولادة

لا يظهر المرض في صورة واحدة لدى جميع الأطفال، لكنه يرتبط بمجموعة من المشكلات العصبية والتشوهات البنيوية التي قد تبدأ خلال الحمل، وتصبح أكثر وضوحًا بعد الولادة.

ومن أبرز الأعراض التي وثقتها الدراسة ضعف توتر العضلات، ونوبات الصرع، وتأخر النمو والتطور، وصعوبات التغذية والتنفس، إلى جانب تغيرات في بنية الدماغ. ورصد الأطباء لدى عدد من الأطفال غياب corpus callosum، أو «الجسم الثَفَني» الذي يعتبر أكبر بنية من المادة البيضاء في الدماغ وهو الجزء الذي يربط نصفي الدماغ ويساعد على انتقال المعلومات بينهما، فضلًا عن اتساع بطينات الدماغ، وهي تجاويف تحتوي على السائل الدماغي الشوكي.

وفي بعض الحالات، ظهرت مؤشرات الإصابة خلال الحمل، من خلال فحوص التصوير التي كشفت اتساع بطينات الدماغ أو غياب corpus callosum، ثم أكدت فحوص الرنين المغناطيسي بعد الولادة وجود التشوهات.

تفاوتت شدة الأعراض بين الحالات؛ إذ توفي بعض الأطفال خلال أيام أو أشهر من الولادة، بينما استمرت حياة آخرين مع مضاعفات عصبية شديدة واحتياج إلى رعاية طبية مستمرة. وسجلت الدراسة حالة طفلة ظهرت لديها أعراض استسقاء الدماغ والتشنجات وصعوبات التنفس خلال أيامها الأولى، قبل أن تتوفى في عمر أربع سنوات ونصف.

وتوضح التفاصيل السريرية التي أوردها الباحثون في الدراسة أن تشابه الأعراض بين الأطفال كان أحد المفاتيح الأساسية للتعرف على المرض، خصوصًا أن بعض مظاهره تتداخل مع اضطرابات وراثية وعصبية أخرى، ما يجعل تحديد الجين المسؤول خطوة مهمة في الوصول إلى تشخيص دقيق.

ماذا يقدم الاكتشاف للأسر

تتجاوز أهمية النتائج إلى تحديد سبب محتمل لمرض نادر؛ إذ تتيح للأطباء إدراج جين VPS25 ضمن الفحوص التي يجرونها عند التعامل مع أطفال يعانون تشوهات دماغية شديدة غير معروفة السبب، وتساعد على تفسير حالات فقدان الأطفال التي ظلت دون تشخيص.

وفي تصريحات نقلتها KAUST في إعلانها عن الاكتشاف، أوضحت البروفيسورة ياسمين مرزبان أن معرفة السبب الوراثي يمكن أن تخفف من معاناة الأسر التي عاشت سنوات دون تفسير لفقدان أطفالها، كما تتيح للأطباء التعرف على حالات مشابهة وإجراء الفحوص الجينية خلال الحمل.

ومن الناحية العملية، يمكن أن يساعد تحديد التغير الجيني المسؤول عن المرض في تقديم استشارات وراثية للوالدين، وتقييم احتمالات تكرار الإصابة في حالات الحمل اللاحقة. وإذا ثبتت التغيرات لدى الوالدين، يمكن استخدام الفحوص الجينية الموجهة للكشف عن وجودها لدى الجنين، بما يساعد الأسرة على اتخاذ قرارات مبنية على معلومات طبية أدق.

لكن الوصول إلى التشخيص لا يعني أن العلاج أصبح متاحًا؛ فالدراسة لم تقدم علاجًا للمرض، ولم تختبر تدخلًا علاجيًا على الأطفال المصابين. كما يؤكد الباحثون على الحاجة إلى اكتشاف حالات إضافية لتحديد نطاق الأعراض والتغيرات الجينية المرتبطة بالاضطراب، وفهم تأثير VPS25 في نمو الدماغ بصورة أكثر اكتمالًا.