تلقى مريض، للمرة الأولى، علاجًا تجريبيًا يعتمد تقنية «التحرير الأولي» لتعديل الحمض النووي مباشرة داخل الجسم، في محاولة لتصحيح طفرة جينية تسبب مرض ويلسون الذي يؤدي إلى تراكم النحاس في الكبد والدماغ. وتتيح هذه التقنية تصحيح أخطاء محددة في الشفرة الوراثية، أشبه باستبدال حروف داخل نص مكتوب.
وأعلنت شركة «برايم ميديسن» الأمريكية، في أكتوبر الجاري، إعطاء أول مريض جرعة من العلاج الذي يستهدف خلايا الكبد لتصحيح طفرة في الجين المسؤول عن المرض.
وتعتمد التجربة على إيصال أدوات تعديل الجينات إلى الخلايا داخل جسم المريض، بدلًا من استخراجها وإجراء التعديل في المختبر ثم إعادتها إليه. ووفقًا لتقرير نشرته مجلة «نيتشر» في 22 أكتوبر، تمثل هذه الخطوة أول استخدام معروف لتقنية التحرير الأولي لإجراء تعديل جيني مباشرة داخل جسم الإنسان.
لكن إعطاء الجرعة الأولى لا يثبت نجاح التعديل أو تحسن حالة المريض، إذ لا يزال العلاج في مرحلة التجارب السريرية التي تستهدف تقييم أمانه ومدى تحمله، إلى جانب متابعة مؤشرات أولية لنشاطه البيولوجي. وتتوقع الشركة المطورة إعلان البيانات السريرية الأولية خلال عام 2027، وفقًا لبيانها عن بدء التجربة.
تعديل الجينات داخل الجسم
تُجرى بعض العلاجات الجينية عبر استخراج خلايا من المريض وتعديل مادتها الوراثية في المختبر، قبل إعادتها إلى الجسم. ويُعرف هذا الأسلوب بالتعديل خارج الجسم (Ex vivo)، ويتيح التعامل مع الخلايا في بيئة معملية قبل استخدامها علاجيًا.
ويعتمد علاج «كاسجيفي» (Casgevy)، الذي وافقت عليه إدارة الغذاء والدواء الأمريكية في ديسمبر 2023، على هذا النهج لعلاج مرض الخلايا المنجلية والثلاسيميا المعتمدة على نقل الدم لدى فئات محددة. وتُجمع الخلايا الجذعية المكونة للدم من المريض، ثم تُعدَّل باستخدام تقنية كريسبر-كاس9 (CRISPR-Cas9)، وتُعاد إليه بعد تحضير طبي مناسب.
أما علاج PM577a فينتمي إلى نهج التعديل داخل الجسم (In vivo)، إذ تُنقل أدوات التحرير الجيني إلى الخلايا المستهدفة مباشرة، ويُعطى العلاج عن طريق الوريد باستخدام جسيمات نانوية دهنية تحمل مكونات نظام التحرير إلى خلايا الكبد.
وسبق استخدام تقنية التحرير الأولي في تطبيقات سريرية اعتمدت على تعديل الخلايا خارج الجسم قبل إعادتها إلى المرضى. ويكمن الاختلاف في تجربة ويلسون في أن أدوات التحرير تُعطى للمريض لتعمل داخل الجسم، بدلًا من تعديل الخلايا في المختبر، بحسب تقرير «نيتشر».
لماذا يستهدف العلاج الكبد؟
ينتج مرض ويلسون عن طفرات في جين ATP7B، المسؤول عن إنتاج بروتين يساعد الكبد على التخلص من النحاس الزائد عبر العصارة الصفراوية. وعندما تتعطل وظيفة هذا البروتين، يتراكم النحاس في الجسم، خصوصًا في الكبد والدماغ، وقد يؤدي إلى تلف الأنسجة واضطرابات عصبية.
سبقت التجربة السريرية اختبارات على خلايا ونماذج حيوانية لدراسة قدرة التحرير الأولي على تصحيح طفرة H1069Q. وأعلنت الشركة نتائج أظهرت تصحيح الطفرة في خلايا الكبد لدى فئران تحمل النموذج الجيني المستهدف، إلى جانب انخفاض النحاس المتراكم في الكبد.
كما شملت الأبحاث اختبارات على الرئيسيات غير البشرية لدراسة وصول أدوات التحرير إلى خلايا الكبد، ومدى دقة التعديل، واحتمال حدوث تغييرات في مواقع أخرى من الحمض النووي.
ما الذي تختبره التجربة؟
وفقًا لسجل الدراسة على ClinicalTrials.gov، تُجرى التجربة ضمن المرحلتين الأولى والثانية، وتهدف إلى تقييم أمان PM577a ومدى تحمله، واختبار الجرعات، ومتابعة مؤشرات أولية لنشاطه البيولوجي لدى مرضى يحملون طفرة H1069Q.
وتشمل مؤشرات المتابعة قياسات مرتبطة بتنظيم النحاس، من بينها مستوياته في الدم، وكمية النحاس المطروحة في البول خلال 24 ساعة، إلى جانب استخدام التصوير المقطعي بالإصدار البوزيتروني بالنحاس المشع لمتابعة التعامل مع النحاس في الكبد.
وتساعد هذه القياسات الباحثين على متابعة التغيرات البيولوجية بعد إعطاء العلاج، بالتوازي مع رصد الآثار الجانبية. كما تتضمن خطة الدراسة تقييم إمكانية إيقاف العلاجات المعتادة التي يتلقاها المشاركون، وهو أمر يخضع لنتائج التجربة، ولا يعني أن المرضى يستطيعون التوقف عن أدويتهم حاليًا.
وتتوقع الشركة إعلان البيانات السريرية الأولية خلال عام 2027، فيما يحدد سجل الدراسة موعدًا تقديريًا لاكتمالها في أواخر عام 2028.




