بالنسبة إلى جيل الحرب العالمية الثانية، كان الجبن القريش عنصرًا أساسيًا في نظام تقنين الغذاء خلال الحرب. وقد يربطه جيل طفرة المواليد وجيل إكس بثقافة الحميات الغذائية في سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي. أما الأجيال التي وُلدت بعد ذلك، فيضيف كثيرون منها الجبن القريش إلى وصفاتهم، ويعيدون إحياء شعبيته من خلال نشر صوره على منصات مثل تيك توك وإنستغرام، فيما يشيد البعض بفوائده الصحية.
وكشفت هايلي بيبر، عارضة الأزياء وسيدة الأعمال، عن ولعها بالجبن القريش لأول مرة في مقابلة مع مجلة "هاربرز بازار" العام الماضي. وفي الآونة الأخيرة، صرحت بأن كرات الدجاج مع صلصة الطماطم وكمية وفيرة من الجبن القريش من أطباقها المفضلة. بينما يفضل آخرون دهن طبقات سميكة منه على الخبز المحمص، أو تقديمه ضمن أطباق المقبلات، أو مزجه بالبيض، أو تناوله طبقًا جانبيًا متكاملًا، بل وتحويله إلى عجينة بيتزا غنية بالبروتين.
الجبن القريش
وبحسب تقرير نشرته "CNN" ، تُصنع الجبنة القريش من الخثارة منذ آلاف السنين، لكنها لم تنتشر على نطاق واسع إلا خلال الحربين العالميتين الأولى والثانية، وفقًا لشاريسا ليم، أخصائية التغذية المسجلة وصاحبة "ذا روستد فيجي"، وهي عيادة خاصة للتغذية ومنصة إعلامية.
وخلال تلك الفترة، روجت الحكومة الأمريكية للجبن القريش باعتباره بديلًا منخفض التكلفة وغنيًا بالبروتين للحوم التي كانت تُخصص للجنود. كما ساهم هذا الترويج في تقليص فائض منتجات الألبان الناتج عن زيادة الإنتاج لتلبية احتياجات القوات الأمريكية وقوات الحلفاء خلال الحربين.
وقالت الدكتورة جينيفر ناصر، أخصائية التغذية المسجلة في فيلادلفيا والأستاذة المشاركة في قسم علوم التغذية بجامعة دريكسل، إن استهلاك الجبن القريش تراجع خلال خمسينيات وستينيات القرن الماضي، ثم ارتفع مجددًا مع انتشار أنظمة إنقاص الوزن الغنية بالبروتين والمنخفضة الكربوهيدرات في سبعينيات القرن الماضي، قبل أن تتراجع شعبيته مع صعود الزبادي العادي ثم الزبادي اليوناني بدءًا من ثمانينيات القرن الماضي.
فوائد صحية
قد لا يكون مذاق الجبن القريش مفضلًا لدى الجميع، لكن محبيه يشيرون إلى أنه يمنح بعض الوصفات قوامًا كريميًا مرغوبًا ونكهة لاذعة خفيفة.
وحتى من لا يفضلون مذاقه، يمكنهم النظر إلى فوائده الغذائية، وفي مقدمتها محتواه من البروتين، الذي يمثل إضافة مهمة للأشخاص المهتمين بالحصول على كميات كافية منه. ويُعتقد أيضًا أن الجبن القريش يساعد على الشعور بالشبع وإنقاص الوزن وتنظيم إنتاج الهرمونات، كما يتناوله البعض للحصول على الكالسيوم الذي يساهم في تقوية العظام والأسنان.
ولا تتوافر دراسات كثيرة عالية الجودة حول التأثيرات المباشرة للجبن القريش على صحة الإنسان، لكن شاريسا ليم أوضحت أن الادعاءات الصحية المرتبطة به صحيحة عمومًا، وأن بعض فوائد منتجات الألبان التي يستند إليها هذا التوجه تحظى بدعم علمي يعود إلى أكثر من 100 عام.
وأشارت ليم إلى أن منتجات الألبان توفر بروتينًا عالي الجودة يحتوي على جميع الأحماض الأمينية الأساسية، وهي الجزيئات التي تتكون منها البروتينات، التي تمثل بدورها اللبنات الأساسية للحياة، وتساعد الجسم على الهضم وإصلاح الأنسجة والنمو وأداء وظائف أخرى. وتحتوي حصة تبلغ 100 جرام من الجبن القريش على 11 جرامًا من البروتين، بينما يوفر كوب واحد يزن 220 جرامًا نحو 24.2 جرامًا منه.
وأضافت ليم أن الجبن القريش غني أيضًا ببروتين الكازين، الذي يُهضم ببطء ويساعد على الشعور بالشبع. كما يعد مصدرًا جيدًا للفوسفور وفيتامين ب12 والسيلينيوم والزنك، وهي عناصر تدعم تكوين خلايا الدم ووظائف الأعصاب وصحة العظام وعمليات الأيض.
الجبن القريش وإنقاص الوزن
إذا كان الحصول على الكالسيوم هو الهدف الأساسي، فإن هناك مصادر ألبان أفضل من الجبن القريش، مثل الزبادي والحليب والأجبان الصلبة، بحسب ليم. ووفقًا لوزارة الزراعة الأمريكية والإرشادات الغذائية للخبراء، يوفر 100 جرام من الجبن القريش نحو 10% من احتياجات معظم البالغين اليومية من الكالسيوم، مقابل نحو 38% في الكمية نفسها من السردين، و96% في جبن الموزاريلا.
وقالت لورا يو، أخصائية التغذية المسجلة التي تعمل في عيادة خاصة بمدينة نيويورك، إن الجبن القريش غني بالبروتين ويساعد على الشعور بالشبع، مع انخفاض محتواه من الدهون والسعرات الحرارية، ما يجعله خيارًا مناسبًا للأشخاص الذين يحاولون إنقاص الوزن، لكنه لا يؤدي إلى فقدان الوزن في حد ذاته.
وقد يساهم إدراج الجبن القريش في الوجبات أيضًا في دعم إدارة مستويات الجلوكوز في الدم، من خلال تحفيز استجابة أكبر للأنسولين مقارنة ببعض البروتينات الأخرى، وفقًا لبعض الدراسات الصغيرة التي أُجريت على مشاركين أصحاء وأشخاص مصابين بداء السكري من النوع الثاني.
هل نحتاج فعلًا إلى المزيد من البروتين؟
وصفت ليم انتشار الجبن القريش بأنه توجه إيجابي، قائلة إنه يُروج له باعتباره غذاءً خارقًا، وإنها لا تعرف ما إذا كانت تتفق مع هذا الوصف بالضرورة، لكنها ترى أنه يمثل إضافة غذائية قوية عند تقديمه طبقًا جانبيًا أو استخدامه لتعزيز القيمة الغذائية للأطباق التقليدية. ومع ذلك، حذر أخصائيو التغذية من أن الجبن القريش، رغم كونه مصدرًا جيدًا للبروتين، لا يعني بالضرورة أن الجميع بحاجة إلى زيادة استهلاكهم منه.
وقالت يو عبر البريد الإلكتروني إن البروتين مهم للغاية، لكنها ترى أن الرسالة المتعلقة بضرورة الحصول على كمية كافية منه تحولت إلى توجه نحو زيادة استهلاكه إلى أقصى حد في كل فرصة. وتتراوح الكمية الموصى بها لمعظم البالغين الأصحاء بين 0.8 و1 جرام من البروتين لكل كيلوجرام من وزن الجسم. وبالنسبة إلى شخص يزن نحو 61 كيلوجرامًا، فإن احتياجه اليومي المعتاد يتراوح بين 48 و61 جرامًا من البروتين.
وتشمل الحالات التي قد تتطلب كميات أكبر بلوغ سن 65 عامًا أو أكثر، والتعافي من اضطرابات الأكل، والسعي إلى بناء كتلة عضلية أكبر من المعتاد. كذلك، ينبغي للأشخاص الذين يراقبون استهلاك الملح بسبب حالات مثل ارتفاع ضغط الدم أو أمراض الكلى الانتباه إلى كمية الصوديوم الموجودة في الجبن القريش، إذ يحتوي الكوب الواحد على نحو 700 ملليجرام منه.




