مع بدء عملية فصل التوأم الملتصق الفيجي "جسبيلي وديسيسيا" في الرياض، تعود إلى الواجهة أسئلة علمية عن واحدة من أندر حالات الحمل: كيف يمكن أن ينمو جنينان متصلين جسديًا؟ وما الذي يحدث في المراحل الأولى من الحمل حتى يتطور الجنينان بهذه الصورة؟.
بدأ الفريق الطبي السعودي، الخميس 15 أكتوبر، عملية فصل الطفلتين البالغتين 13 شهرًا في مستشفى الملك عبدالله التخصصي للأطفال بالرياض. ووفقًا لما أعلنه الفريق الطبي، تتصل الطفلتان في منطقتي البطن والحوض، وتشتركان في عدد من الأعضاء، من بينها الكبد والأمعاء والقولون وأجزاء من الجهازين البولي والتناسلي.
وتسلط هذه الحالة الضوء على أسئلة لا يزال العلم يبحث عن إجابات حاسمة لها. فعلى الرغم من التقدم الكبير في علم الأجنة والتصوير الطبي، لم يتمكن العلماء حتى الآن من تحديد السبب الدقيق لنشوء التوائم الملتصقة. وتتركز الأبحاث على المراحل الأولى من الحمل، لفهم كيفية تشكل التوائم المتطابقة، وما الذي قد يحدث أثناء نموها ليؤدي إلى بقاء أجزاء من جسدي التوأمين متصلة.
ما التوائم الملتصقة وكيف تبدأ في الرحم؟
لفهم كيفية حدوث الالتصاق، لا بد من العودة إلى بداية الحمل. فالتوائم المتطابقة تبدأ من بويضة واحدة مخصبة بحيوان منوي واحد، ثم ينقسم الجنين المبكر إلى جنينين. وفي الحمل التوأمي المعتاد، يتطور كل جنين بصورة مستقلة، رغم اشتراك التوأمين في مادة وراثية متطابقة تقريبًا.
لكن الأمر يختلف في حالة التوائم الملتصقة؛ إذ يحدث اضطراب نادر في عملية تشكل الجنينين أو في تنظيم محاورهما خلال المراحل المبكرة من النمو، ما يؤدي إلى بقائهما متصلين في منطقة واحدة أو أكثر من الجسم.
وتشير المراجع الطبية إلى أن هذه الحالة ترتبط بمرحلة مبكرة جدًا من التطور الجنيني، غالبًا خلال الأسبوعين الأولين بعد الإخصاب. ومع ذلك، لا يزال تحديد اللحظة التي يبدأ فيها الالتصاق، وفهم الآلية التي تؤدي إليه، من المسائل التي لم يحسمها العلم حتى الآن.
التفسيرات العلمية المحتملة لحدوث الالتصاق
في محاولة لفهم ما يحدث خلال هذه المرحلة المبكرة، طرح العلماء أكثر من تفسير لكيفية نشوء التوائم الملتصقة. ولا توجد حتى الآن نظرية واحدة تفسر جميع الحالات بصورة قاطعة، بل يدور النقاش حول عدة تصورات تتعلق بكيفية تشكل الجنينين وتطور أجزائهما في بداية الحمل.
1. عدم اكتمال انفصال الجنين المبكر
وفقًا للتفسير التقليدي، يبدأ الجنين الذي نشأ من بويضة مخصبة واحدة في الانقسام إلى جنينين، لكن عملية الانفصال لا تكتمل. وبدلًا من أن يتطور كل جنين بصورة مستقلة تمامًا، تبقى بينهما أنسجة مشتركة تؤدي إلى اتصالهما جسديًا. وتساعد هذه الفرضية على تفسير جانب من الحالات المعروفة، لكنها لا تقدم تفسيرًا كاملًا لجميع الأنماط التشريحية التي تظهر لدى التوائم الملتصقة، وهو ما دفع الباحثين إلى دراسة تصورات أخرى.
2. تداخل محاور النمو في الجنين المبكر
يرى تصور آخر أن المشكلة قد تبدأ عندما تتشكل منطقتان تنظمان نمو الجنينين بالقرب من بعضهما، بحيث تتداخل الإشارات التي توجه بناء الأنسجة والأعضاء. وقد يؤدي ذلك إلى نشوء أجزاء مشتركة بدلًا من تكوّن جنينين منفصلين بالكامل. ويساعد هذا التصور على تفسير اختلاف مواضع الالتصاق بين الحالات، لكنه لا يزال نموذجًا تفسيريًا يحتاج إلى مزيد من الأدلة لتأكيد مدى قدرته على تفسير هذه الظاهرة.
3. الاندماج الثانوي بين جنينين
تطرح نظرية أخرى احتمال حدوث اتصال أو اندماج بين بنيتين جنينيتين خلال مرحلة مبكرة من النمو. وقد نوقشت هذه الفرضية خصوصًا عند محاولة تفسير بعض الأنماط التشريحية التي يصعب تفسيرها بالانفصال غير المكتمل وحده.
لكن هذه النظرية لا تحظى باتفاق علمي باعتبارها السبب العام للتوائم الملتصقة، إذ قد تختلف الآليات المحتملة باختلاف نمط الالتصاق.
وتكشف هذه التفسيرات أن فهم كيفية نشوء التوائم الملتصقة لا يزال غير مكتمل. فمراجعات علمية تشير إلى أن نظريتي الانفصال غير المكتمل والاندماج الثانوي لا تفسران جميع الحالات بصورة قاطعة، ولذلك لا يتعامل العلماء مع أي منهما باعتبارها حقيقة نهائية، بل يواصلون دراسة نماذج متعددة تتعلق بالتطور الجنيني المبكر.
هل هناك سبب وراثي أو عامل خطر معروف؟
إلى جانب البحث في كيفية حدوث الالتصاق، يحاول العلماء معرفة سبب ظهور هذه الحالة في بعض حالات الحمل دون غيرها. لكن حتى الآن، لا يوجد سبب محدد يفسر حدوثها، كما لا تتوافر أدلة كافية لتحديد عامل وراثي أو سلوك أو ظرف لدى الوالدين يمكن القول إنه يؤدي إلى ولادة توائم ملتصقة.
وتشير مايو كلينك إلى أن ندرة الحالة وعدم وضوح آليتها يجعلان تحديد عوامل الخطر أمرًا غير ممكن في الوقت الحالي. وبناءً على المعرفة الطبية المتاحة، لا يصح تحميل الأم مسؤولية حدوث الالتصاق، أو افتراض أن حالة بعينها نتجت عن غذاء أو دواء أو تصرف أثناء الحمل من دون دليل علمي.
وتُعد التوائم الملتصقة نادرة للغاية؛ إذ تورد مراجعة طبية تقديرًا يقارب حالة واحدة لكل 50 ألف ولادة. ومع ذلك، تختلف التقديرات بحسب طريقة الحساب، لأن نسبة كبيرة من الحالات لا تصل إلى الولادة الحية.
لماذا يختلف موضع الالتصاق من حالة إلى أخرى؟
لا تتشابه جميع حالات التوائم الملتصقة من الناحية التشريحية؛ فشكل الالتصاق يتوقف على المنطقة التي يتصل فيها الجنينان، والأعضاء التي يشتركان فيها، ومدى اكتمال نمو كل عضو. ولهذا، يصنف الأطباء الحالات وفقًا لموضع الالتصاق، الذي يحدد بدوره جانبًا مهمًا من التحديات الطبية التي قد تواجه كل حالة.
ومن أبرز هذه الأنواع:
- الالتصاق عند الصدر قد يتضمن اشتراكًا في القلب، وهو ما يجعل الفصل بالغ التعقيد في بعض الحالات.
- الالتصاق عند البطن: قد يشمل الكبد أو أجزاء من الجهاز الهضمي.
-الالتصاق عند الحوض: قد يتضمن اشتراكًا في الأمعاء أو الجهاز البولي والتناسلي أو عظام الحوض.
- الالتصاق عند الرأس أو الظهر: تختلف التحديات الطبية بحسب الأنسجة والأوعية الدموية والتراكيب العصبية المشتركة.
وتوضح هذه الاختلافات لماذا لا يمكن التعامل مع التوائم الملتصقة باعتبارها حالة واحدة متطابقة لدى الجميع. فإمكانية الفصل ومخاطره تتوقف بدرجة كبيرة على الأعضاء المشتركة وطبيعة الاتصال بين التوأمين، وهو ما يجعل تقييم كل حالة على حدة أمرًا ضروريًا.
وفي حالة جسبيلي وديسيسيا، تشير المعلومات المعلنة إلى وجود اتصال في البطن والحوض، مع اشتراك في عدة أعضاء. ولذلك، يعتمد التخطيط للعملية على دراسة دقيقة للتشريح الداخلي لكل طفلة، وتحديد كيفية فصل الأعضاء المشتركة مع الحفاظ على وظائفها قدر الإمكان. ولا يمكن استنتاج فرص نجاح العملية أو نتائجها النهائية من موضع الالتصاق وحده.
هل يستطيع الأطباء اكتشاف الحالة قبل الولادة؟
لا يقتصر التعامل مع التوائم الملتصقة على ما يحدث بعد الولادة، إذ يمكن اكتشاف كثير من الحالات خلال الحمل باستخدام التصوير بالموجات فوق الصوتية. وقد تساعد الفحوص الإضافية والتصوير التفصيلي على تحديد موضع الالتصاق والأعضاء المشتركة بين الجنينين.
وتوفر هذه المعلومات للفريق الطبي فرصة لتقييم المخاطر والاستعداد للولادة، إلى جانب تحديد الرعاية التي قد يحتاج إليها الطفلان بعد الولادة، بما في ذلك إمكانية الفصل الجراحي. ومع ذلك، يظل تحديد النتائج المتوقعة مرتبطًا بتقييم كل حالة على حدة، وفقًا لطبيعة الاتصال والأعضاء المشتركة بين التوأمين.




