تشير أبحاث إلى أن حرارة البيئة المحيطة قد تؤثر في مواعيد النوم والاستيقاظ، وربما تسهم في ضبط الساعة البيولوجية، التي ظل العلماء يعدّون الضوء الإشارة الخارجية الأهم لتنظيمها.
وتستند هذه الفرضية إلى ملاحظات لأنماط النوم لدى مجتمعات تعيش بعيدًا عن نمط الحياة الصناعية، فضلًا عن تجارب رصدت تغيرات في إفراز هرمونات النوم وحرارة الجسم.
ومع ذلك، لا تزال الأدلة البشرية محدودة، ولم يحسم العلماء بعد حجم هذا التأثير أو مدى قدرة الحرارة على تعديل الساعة الداخلية للجسم.
من تجربة شخصية إلى ملاحظات ميدانية
كان لعالم الأنثروبولوجيا غاندي يتيش تجربة شخصية قادته إلى التفكير في هذه العلاقة. فخلال شتاء نيوجيرسي البارد، اعتاد فتح نافذته قبل النوم، ليترك الهواء البارد يلامس وجهه ويشعر بالنعاس سريعًا، رغم قلقه من فاتورة التدفئة التي قد تثير استياء والدته.
وظل يعتقد أن ميله إلى النوم في غرفة باردة مجرد تفضيل شخصي، حتى بدأت أبحاثه عن النوم لدى مجتمعات تعيش بعيدًا عن أنماط الحياة الصناعية تكشف له ما يستحق البحث.
فخلال دراسته لشعب التسيماني في غابات الأمازون البوليفية، لاحظ أن أفراده ينامون بعد غروب الشمس بساعات ويستيقظون قبل شروقها، رغم غياب الإضاءة الكهربائية وقضاء معظم يومهم في الهواء الطلق.
ولم تتوقف ملاحظاته عند هذه الجماعة، إذ درس، بالتعاون مع باحثين من جامعات أمريكية، مجموعتين أخريين، هما الهادزا في شمال تنزانيا والسان في جنوب أفريقيا. وأظهرت المقارنة أن مواعيد نوم المجموعتين لا تتطابق بدورها مع تعاقب الضوء والظلام، وتبدو أكثر ارتباطًا بتغير حرارة الهواء خلال اليوم. ويلخص يتيش ما لفت انتباهه بقوله «نفترض أن غروب الشمس وشروقها مهمان بسبب الضوء، لكن الحرارة تأتي أيضًا من الشمس».
كيف تؤثر الحرارة في جودة النوم؟
وتجد هذه الملاحظات ما يدعمها في التغيرات الطبيعية التي تطرأ على حرارة الجسم استعدادًا للنوم. فمع اقتراب موعد الراحة، تبدأ الحرارة الداخلية في الانخفاض، وتواصل تراجعها خلال معظم الليل حتى تصبح أقل بنحو 1 درجة مئوية من أعلى مستوى تسجله نهارًا.
ويساعد هذا الانخفاض في فهم الصلة بين حرارة المكان وجودة النوم، إذ يوضح سيباستيان هيربرجر، طبيب النوم والباحث في مركز طب النوم ببرلين، أن ارتفاع حرارة الغرفة قد يجعل النوم أقصر وأكثر اضطرابًا، وهي تجربة يعرفها من سبق له النوم في غرفة فندقية شديدة الحرارة.
ولاختبار هذه الصلة، أجرى باحثون دراسة عام 2007 غيّروا خلالها حرارة غرف النوم على مدار الليل. ففي إحدى الغرف، خفّضوا الحرارة من 27 درجة مئوية إلى 24 درجة بين الساعة 18 و22، ثم رفعوها تدريجيًا إلى 27 درجة بين الساعة 3 و7 صباحًا، بينما حافظوا على حرارة الغرفة الأخرى عند 27 درجة طوال الليل.
وأظهرت النتائج اختلافًا بين المجموعتين، إذ سجل المشاركون الذين تعرضوا لتغيرات الحرارة مستويات أعلى من الميلاتونين، وهو الهرمون الذي يزداد إفرازه مع اقتراب النوم ويبلغ ذروته عادة في منتصف الليل. كما شعروا بانتعاش أكبر عند الاستيقاظ، وبلغت حرارة أجسامهم أدنى مستوياتها قبل المجموعة الأخرى بنحو ساعة في المتوسط. وافترض الباحثون أن الجسم قد يستفيد من انخفاض الحرارة مساءً وارتفاعها قرب الفجر، لكنهم لم يحددوا مقدار التبريد اللازم لتحسين النوم.
من جودة النوم إلى ضبط الساعة البيولوجية
وتفتح هذه النتائج بابًا أوسع للبحث في احتمال تأثير الحرارة في الساعة البيولوجية نفسها، التي تنظم دورات الجسم على مدار 24 ساعة، بما يشمل النوم وتناول الطعام واليقظة.
ويوضح راسل فوستر، أستاذ علم الأعصاب الإيقاعي بجامعة أكسفورد، أن الساعة الداخلية تقود انخفاض حرارة الجسم قبل النوم، لكن الحرارة قد تؤثر بدورها في أنظمة النوم. ويقر فوستر بأن حدود هذا التأثير لا تزال غير واضحة، قائلًا «لا نعرف ما الذي تفعله الحرارة فعلًا بوصفها إشارة إلى أنظمة النوم».
وتزداد أهمية هذا التساؤل عند النظر إلى التجارب المختبرية، التي أظهرت أن دورات الحرارة وحدها يمكن أن تضبط الإيقاعات اليومية لدى كائنات مختلفة، من ذباب الفاكهة إلى الجمال.
وتمكن العلماء كذلك من تغيير الإيقاع الداخلي لخلايا بشرية عبر محاكاة التغيرات التي تطرأ على حرارة الجسم. غير أن هذه النتائج لا تكفي وحدها لتحديد مدى انطباق التأثير نفسه على البشر في ظروف حياتهم اليومية.
أدلة محدودة وأسئلة لم تُحسم
وتظل الأدلة البشرية محدودة، رغم أن تجربة أجريت عام 1974 أظهرت أن خفض حرارة الغرفة أثناء النوم بنحو 6 درجات مئوية مقارنة بفترة اليقظة أدى إلى إطالة دورات النوم والاستيقاظ بنحو 23 دقيقة.
وتوحي هذه النتيجة، إلى جانب ما رصدته دراسة 2007، باحتمال تأثير الحرارة في توقيت الإيقاع اليومي، من دون أن تحسم حجم هذا التأثير.
ويحذر كريستيان كايوخن، الباحث في علم الزمن الحيوي بجامعة بازل، من المبالغة في تفسير النتائج، إذ لم تختبر سوى دراسات قليلة دور الحرارة في تنظيم الإيقاع اليومي، ولا تكفي الأدلة المتاحة لاعتبارها بديلًا عن الضوء.
وتنبع صعوبة حسم المسألة أيضًا من أن النوم يخضع لأنظمة متعددة تتفاعل فيما بينها. فكلما طالت ساعات اليقظة، ازدادت حاجة الجسم إلى النوم، بينما تستطيع أنظمة تعزيز الانتباه التغلب على النعاس عند الضرورة، كما يحدث عند سماع إنذار حريق في منتصف الليل.
ولهذا، لا يمكن الجزم بأن أنماط النوم التي رصدها يتيش لدى التسيماني والهادزا والسان تعود إلى الحرارة وحدها.
نمط الحياة الحديث وانتشار الأرق
وتدفع هذه الحدود البحثية إلى النظر في العلاقة بين ظروف الحياة الحديثة والنوم. فجيروم سيجل، مدير مركز أبحاث النوم بجامعة كاليفورنيا في لوس أنجلوس، يرى أن الحرارة قد تكون أهم من الضوء في بعض جوانب النوم، ويربط بين ثبات درجات الحرارة داخل المنازل الحديثة ليلًا ونهارًا وارتفاع معدلات الأرق في المجتمعات الصناعية مقارنة بغير الصناعية.
وعندما بحث الباحثون انتشار الأرق بين التسيماني والسان، وجدوا أن المجموعتين لا تملكان كلمة خاصة لوصف هذه الحالة. ويلخص سيغل الفارق بين بيئتهما ونمط الحياة الحديث بقوله «نحن ببساطة لا نعيش في البيئة التي عاش أجدادنا فيها».




