نعتاد قراءة العمر في ملامح الوجه والشعر وحركة الجسد، لكن هناك علامة أخرى قد تكشف ما لا تقوله هذه المظاهر عن أجسادنا. فطريقة الكلام، بما تحمله من تغيرات في السرعة والنبرة والمفردات، قد تقدم إشارات إلى وتيرة التقدم في العمر، وتفتح بابًا لفهم ما يحدث للذاكرة وقدرات التفكير. فهل يستطيع الصوت أن يكشف أن الإنسان يتقدم في العمر أسرع مما يشير إليه عمره الحقيقي؟

هذا ما بحثته دراسة حديثة استخدمت الذكاء الاصطناعي لتقدير أعمار الأشخاص من أصواتهم، ثم مقارنة هذه التقديرات بأعمارهم الفعلية. وأظهرت النتائج أن الأشخاص الذين بدا صوتهم أكبر من أعمارهم كانوا أكثر عرضة للمشكلات الإدراكية والخرف، وظهرت لديهم أيضًا مؤشرات على تسارع الشيخوخة البيولوجية. وقد تتيح هذه الطريقة مستقبلًا وسيلة أبسط لفحص صحة الدماغ، لكنها تحتاج إلى مزيد من الاختبارات قبل استخدامها لتقدير مخاطر المرض لدى الأفراد.

حين يبدو الصوت أكبر من صاحبه

استندت الدراسة، المنشورة في دورية «Science Advances»، إلى بيانات أكثر من 2,900 شخص يتحدثون الإسبانية في الأرجنتين وتشيلي وكولومبيا والمكسيك وبيرو. تراوحت أعمار المشاركين بين 18 و88 عامًا، وكان نحو 1,500 منهم يتمتعون بقدرات إدراكية سليمة، بينما عانى الباقون ضعفًا إدراكيًا خفيفًا أو مرض ألزهايمر أو الخرف الجبهي الصدغي.

خضع كل مشارك لـ7 مهام كلامية، شملت وصف مقطع رسوم متحركة، وذكر أكبر عدد ممكن من الكلمات أو الخضراوات أو الحيوانات خلال 60 ثانية. وطُلب منهم أيضًا إعادة سرد قصة قصيرة فور سماعها، ثم استعادتها مرة أخرى بعد مرور 20 إلى 30 دقيقة.

سجل الباحثون إجابات المشاركين، واستخرجوا منها أكثر من 700 سمة، منها سرعة الكلام وفترات الصمت وطبقة الصوت والمفردات والتعبير عن المشاعر. واستخدموا هذه الخصائص لتدريب نموذج حاسوبي على تقدير العمر من طريقة الحديث، ثم قارنوا العمر المتوقع بالعمر الحقيقي لكل شخص. وأطلقوا على الفرق بينهما اسم «فجوة العمر الصوتية».

ما الذي تكشفه الفجوة؟

أظهرت النتائج أن الفجوة كانت الأصغر لدى الأشخاص الأصحاء إدراكيًا، واتسعت لدى المصابين بضعف الإدراك أو الخرف. وسُجلت أكبر الفروق لدى المصابين بالخرف الجبهي الصدغي الذي تظهر فيه اضطرابات اللغة والتواصل بوضوح.

ولم تقتصر الفروق على تقدير العمر. فقد حقق أصحاب الأصوات التي بدت أكبر سنًا نتائج أضعف في اختبارات الذاكرة واللغة والانتباه، وواجهوا صعوبات أكبر في أداء أنشطتهم اليومية.

وأظهرت تحاليل الدم علاقة بين اتساع الفجوة وتسارع العمر البيولوجي، وفق 3 مقاييس تستند إلى علامات كيميائية مرتبطة بالحمض النووي. ولدى المصابين بألزهايمر، ارتبطت الفجوة الأكبر بارتفاع مستويات بروتين «بي تاو 217» المرتبط بالمرض.

ورصد الباحثون نمطًا مشابهًا لدى أشخاص واجهوا صعوبات مالية أو انعدامًا للأمن الغذائي، أو محدودية في الحصول على الرعاية الصحية، أو عاشوا طفولة صعبة أو حصلوا على تعليم أقل. وتكرر هذا الارتباط في البلدان الخمسة، رغم اختلاف ظروفها الاجتماعية والثقافية.

إشارة تستحق الفحص لا تشخيص نهائي

يرى أدولفو جارسيا، المشارك في الدراسة ومدير مركز علوم الأعصاب الإدراكية بجامعة سان أندريس في الأرجنتين، أن تحليل الكلام قد يتجاوز عقبات تواجه وسائل تقييم الشيخوخة الحالية، التي يعتمد كثير منها على فحوص مكلفة أو يصعب تكرارها بانتظام.

وقال إن «ساعات الشيخوخة الموجودة حاليًا قوية جدًا، لكن الكثير منها يعتمد على تصوير الدماغ أو تحاليل الدم المكلفة أو التي تتطلب تدخلًا طبيًا أو يصعب تكرارها بانتظام». وأضاف أن تحليل الكلام يمكنه تجاوز هذه القيود.

وترى الطبيبة مانيشا باروليكار، المشاركة في إدارة مركز فقدان الذاكرة وصحة الدماغ بالمركز الطبي لجامعة هاكنساك في نيوجيرسي، أن الأداة تمثل «قفزة كبيرة نحو جعل تقييم صحة الدماغ متاحًا للجميع». لكنها تحذر من اعتبار نتائجها دليلًا قاطعًا على الإصابة بالخرف.

فالصوت يتأثر بالحالة العامة للإنسان، وقد يبدو أكبر سنًا بسبب الاكتئاب الشديد أو الإرهاق أو الضغوط الحياتية. لذلك، ترى باروليكار أن الأداة قد تنبه الأطباء إلى ضرورة فحص القدرات الإدراكية، لكنها لا تكفي وحدها لتشخيص المرض.

ما الذي لم تحسمه الدراسة؟

لم يثبت الباحثون أن الصوت الذي يبدو أكبر سنًا ينذر بتراجع إدراكي وشيك. فقد خضع كثير من المشاركين للتقييم مرة واحدة فقط، من دون متابعة طويلة تكشف ما إذا كانت تغيرات الكلام تسبق تراجع الذاكرة أم ترافق تطور الخرف.

كذلك، اقتصر تدريب النموذج واختباره على أشخاص يتحدثون الإسبانية في 5 بلدان. وحذرت باروليكار من استخدامه مباشرة مع لغات أخرى، قائلة «لا يمكننا ببساطة أخذ النموذج الإسباني واستخدامه مع اللغة الإنجليزية». فخصائص الكلام تختلف باختلاف اللغة، ما يستلزم تكييف الأداة واختبارها على مجموعات أخرى.

يخطط الباحثون لتجربة الأداة على لغات مختلفة، ومتابعة المشاركين بمرور الوقت لمعرفة ما إذا كانت التغيرات في كلامهم تستطيع الكشف عن تراجع القدرات الإدراكية مستقبلًا.

ويعتقد غارسيا أن «الكلام يحمل إشارات قوية جدًا تساعد على التنبؤ بالإصابة بالخرف مستقبلًا»، لكنه يشدد على ضرورة إجراء دراسات إضافية تشمل مجموعات أكثر تنوعًا. وحتى تتوافر هذه الأدلة، قد يساعد الصوت في رصد علامات تستدعي فحص صحة الدماغ، من دون أن يحل محل التقييم الطبي اللازم لتحديد المرض.