قد تلاحظ أن قدرتك على التركيز والنشاط ليست ثابتة طوال العام، حتى عندما لا تتغير ظروف حياتك بشكل كبير. فطاقة الإنسان ومزاجه وقدرته على التعامل مع الضغوط تتأثر بمجموعة من الإيقاعات المتداخلة، تبدأ من الساعة الداخلية للجسم وتمتد إلى الفصول والظروف الاجتماعية والمهنية، كما تختلف هذه التأثيرات من شخص إلى آخر ومن مكان إلى آخر.
وبحسب تقرير نشره موقع "CNN"، يميل مستوى الطاقة خلال الشتاء إلى الانخفاض، بالتزامن مع تراجع التواصل الاجتماعي والالتزام بممارسة الرياضة، فضلًا عن تأثيرات مرتبطة بالمناعة. ومع حلول الربيع وطول ساعات النهار، يشعر كثيرون بزيادة في الحيوية والطاقة، بينما يكون الصيف عادةً أكثر نشاطًا واجتماعية. ويعتمد ذلك أيضًا على الموقع الجغرافي؛ فما يمر به شخص في فبراير قد يختلف تمامًا عما يعيشه شخص آخر في يونيو، خاصة بين نصفي الكرة الأرضية.
إيقاعات الجسم وتأثيرها على تحمّل الضغوط
تبحث عالمة سلوكيات منذ نحو 10 سنوات في الروابط بين الدماغ والجسم والسلوك، إلى جانب استخدام التكنولوجيا لقياس الصحة وتحسينها، بما في ذلك الأجهزة القابلة للارتداء وتطبيقات اليقظة الذهنية. وترى أن كثيرًا من الأبحاث لا تمنح التأثيرات الموسمية والإيقاعات المتكررة في الجسم الاهتمام الكافي، رغم قدرتها على التأثير في تعامل الإنسان مع مسؤوليات الأسرة، والمشكلات الصحية، والمواعيد النهائية، وحتى ضغوط الزحام.
ولا تقتصر هذه الإيقاعات على تعاقب الفصول، إذ يمتلك الجسم ساعة داخلية تنظم النوم والاستيقاظ، كما يختلف "النمط الزمني" بين الأشخاص؛ فهناك من يفضل الاستيقاظ مبكرًا، بينما يميل آخرون إلى النشاط ليلًا. وتوجد كذلك إيقاعات أبطأ، مثل الدورة التناسلية لدى النساء، يمكن أن ترتبط بتغيرات في الطاقة والاستعداد البدني والمزاج.
عندما تتراكم الضغوط الموسمية
تتداخل إيقاعات الجسم مع إيقاعات اجتماعية ومهنية أخرى، مثل مواعيد الدراسة والعطلات، وفترات ضغط العمل، والأعياد والمهرجانات، ومواعيد الضرائب. كما تغير الفصول درجات الحرارة والطقس وضوء النهار، فضلًا عن فرص ممارسة الأنشطة وتناول أنواع مختلفة من الطعام والتواصل الاجتماعي، مع اختلاف التأثير بحسب خطوط العرض والموقع الجغرافي.
وقد يؤدي تزامن أكثر من دورة في الوقت نفسه إلى زيادة الضغط وتراجع الأداء؛ فعلى سبيل المثال، قد يصبح ضغط نهاية الربع المالي أكثر صعوبة عندما يتزامن مع شتاء بارد ومظلم وانخفاض طبيعي في الطاقة. ومع انتشار العمل الهجين والعمل عن بُعد منذ جائحة كورونا، أصبحت هذه المسألة أكثر تعقيدًا، خصوصًا في الفرق العالمية التي تعمل عبر مناطق زمنية مختلفة، إذ تُعقد نحو ثلث الاجتماعات عبر مناطق زمنية متعددة. وفي الوقت الذي قد يواجه فيه فريق في باريس موجة حر، قد يكون زملاؤه في سانتياغو خلال الشتاء، بينما يعيش فريق آخر في كالجاري صيفًا معتدلًا.
ورغم ذلك، نادرًا ما تعترف القيادات باختلاف الضغوط الموسمية وتأثيرها في الإنتاجية. وأظهر استطلاع أُجري عام 2024 وشمل نحو 28 ألف موظف في 16 دولة، أن العاملين يكونون أكثر سعادة وأقل ميلًا إلى ترك وظائفهم عندما تسود ثقافة من الأمان النفسي. وفي المقابل، تزيد احتمالية ترك الموظف للعمل بنحو 10% عندما يشعر بعدم الارتياح في مناقشة عبء العمل أو صحته النفسية أو تقلبات إنتاجيته.
"ذكاء الإجهاد".. 3 خطوات للتكيف
يمكن التعامل مع هذه التغيرات من خلال ما يُعرف بـ"ذكاء الإجهاد"، عبر فهم الإيقاعات الشخصية والتكيف معها بدلًا من اعتبار انخفاض الطاقة مشكلة يجب مقاومتها دائمًا.
أولًا: الاعتراف بالتقلبات الطبيعية، والنظر إلى اختلاف مستوى الطاقة بين الفصول باعتباره أمرًا طبيعيًا، مع الاستفادة من الموارد القائمة على الأدلة، مثل "How to Winter" وأداة "Rethinking Stress" التي طورتها جامعة ستانفورد.
ثانيًا: العمل وفق إيقاعات الجسم، من خلال النوم قبل الموعد المعتاد بنحو 30 دقيقة، وممارسة نشاط بدني خفيف، وتنظيم المهام وفق النمط الزمني للشخص، أو التخطيط لعطلة نهاية أسبوع طويلة بعد فترات العمل شديدة الضغط.
ثالثًا: التكيف عندما لا يمكن تغيير المواعيد، خصوصًا مع الالتزامات المهنية التي تفرض مواعيد ثابتة، وذلك عبر الحصول على نوم كافٍ، وتناول غذاء متنوع ومغذٍ، وممارسة الرياضة بانتظام، إلى جانب تمارين اليقظة الذهنية أو تخصيص دقيقتين للتنفس والامتنان لإعادة ضبط الحالة الذهنية.
وفي النهاية، فإن عدم شعور الإنسان بالطاقة نفسها في فبراير ويونيو ليس عيبًا أو خللًا، بل جزء طبيعي من تفاعل الجسم والعقل مع الإيقاعات الداخلية والمحيطة به. وفهم هذه الإيقاعات قد يساعد الأفراد والفرق على إدارة الضغوط بصورة أفضل والحفاظ على أداء أكثر استدامة.














