لطالما اعتقدنا أن فقدان الشهية مجرد عرض جانبي لإنهاك الجسد، فبعد نوبة معوية قاسية، مثلًا، يتلاشى الشغف فورًا تجاه أشهى الأطباق، لكن ملايين المصابين بعدوى الديدان الطفيلية يعيشون هذا العزوف كواقع مزعج ومستمر.
فلعقود طويلة، ظل السر البيولوجي وراء هذه الحالة لغزًا، حتى تبين أن الأمعاء تدير شبكة اتصالات سرية، تصدر من خلالها أوامر مباشرة للدماغ بإغلاق مراكز الجوع تمامًا.
فكك باحثون في جامعة كاليفورنيا بسان فرانسيسكو شفرة هذا المسار المعقد، كاشفين كيف يقمع جهازنا المناعي الرغبة في الأكل بقرار استراتيجي. ويوضح ديفيد جوليوس، الحائز على جائزة نوبل: «لم نكن نبحث فقط عن كيفية محاربة المناعة للطفيليات، بل كيف تجند الجهاز العصبي لتغيير سلوكنا، واكتشفنا وراء ذلك منطقًا جزيئيًا في غاية الأناقة».
وكشفت دراستهم المنشورة في دورية "نيتشر" عن لغة حوار دقيقة بين نوعين من الخلايا المعوية النادرة، حيث تعمل خلايا «تافت» كأجهزة إنذار مبكر، بينما تطلق خلايا «إي سي» إشارات كيميائية تستفز العصب المبهم، لتولد ذلك الشعور المألوف بالغثيان.
وداخل مختبر عالم المناعة ريتشارد لوكسلي، صمم الباحث كوكي توهارا تجربة مجهرية لفك طلاسم هذا الاشتباك. بمجرد تعرض خلايا «تافت» لمادة كيميائية تفرزها الطفيليات، أضاءت خلايا الاستشعار في المختبر، لتثبت مفاجأة علمية: هذه الخلايا تفرز «الأسيتيل كولين»، وهو ناقل مرتبط عادة بالخلايا العصبية. يعلق توهارا: «الخلايا هنا تقوم بعمل الخلايا العصبية ولكن بآلية مختلفة تمامًا». وحين يصل هذا المركب إلى أنسجة الأمعاء، ترد خلايا «إي سي» بإفراز السيروتونين، الذي ينطلق بدوره عبر العصب المبهم حاملًا رسالة التحذير العاجلة إلى الدماغ.
ويفسر هذا التكتيك المتدرج سبب تأخر فقدان الشهية عند بداية المرض. فخلايا «تافت» تطلق إشاراتها على مرحلتين: دفقة أولى قصيرة، تليها إفرازات مستمرة وقوية بمجرد تأهب جهاز المناعة بالكامل. ويشرح جوليوس هذا التأخير التكتيكي بأن الأمعاء تنتظر فعليًا لتتأكد من أن التهديد حقيقي ومستمر قبل أن تأمر الدماغ بتغيير سلوكك.
وعلى أرض الواقع، أثبتت التجارب أن الفئران المصابة بالعدوى تفقد شهيتها تدريجيًا، بينما استمرت الفئران المعدلة وراثيًا -لمنع إنتاج الأسيتيل كولين- في التهام طعامها بنهم، مما يؤكد سيطرة هذا المسار المباشر على قرار الجوع.
ورغم عدم التحديد الدقيق لنوع الديدان الطفيلية المستخدمة في هذه التجارب المخبرية، فإن الاكتشاف يفتح آفاقًا طبية واسعة. يرى لوكسلي أن التحكم في إفرازات خلايا «تافت» قد يكون المفتاح للسيطرة على استجابات فسيولوجية مزعجة. ولأن هذه الخلايا الحارسة لا تسكن الأمعاء فحسب، بل تمتد للمسالك الهوائية والجهاز التناسلي، فإن فهم هذا المسار السري قد يقدم أخيرًا إجابات حاسمة لعلاج حالات مزمنة ومعقدة، مثل متلازمة القولون العصبي وعدم تحمل الطعام.













