في عالم يمجّد الإنتاجية المستمرة، يجد الكثيرون أنفسهم عالقين في دوامة من الإرهاق، يبحثون عن حل سحري أو «علاج وحيد» يعيد إليهم شغفهم وقدرتهم على العمل.
لكن الحقيقة التي يؤكدها علماء النفس هي أنه لا يوجد علاج واحد يمكن وصفه بأنه «الأفضل» للاحتراق النفسي، بل توجد خيارات متعددة يعتمد نجاحها كليًا على احتياجاتك الخاصة، وظروفك، والأهم من ذلك: المرحلة التي وصلت إليها من الإنهاك.
تبدأ القصة عادة بمرحلة خادعة تُعرف بـ «الاحتراق الوظيفي»، وهي حالة يعاني فيها الشخص من الأعراض لكنه ينجح في «التحامل على نفسه» والمضي قدمًا بطريقة ما.
في هذه المرحلة، قد تشعر بالإنهاك والانفصال، وكأنك مشتت للغاية، لكنك إما لا تعرف كيفية معالجة الأمر أو تعيش في حالة إنكار بأن ما تمر به هو احتراق نفسي. لكن إذا استمرت عجلة الضغط في الدوران، يصل الإنسان إلى مرحلة «الاحتراق السريري»، وهي اللحظة الفاصلة التي يعجز فيها الجسد عن الاستمرار، فارضًا عليك التوقف القسري.
هنا، قد يجد الشخص نفسه عاجزًا عن العمل، أو يواجه صعوبة في النهوض من الفراش، مع ظهور أمراض جسدية ونوبات هلع.
الخطوة الأولى.. استعادة التوازن
عندما يكون الشخص عاجزًا عن العمل، لا يكون الوقت مناسبًا للغوص في التحليلات النفسية العميقة. بدلًا من ذلك، تكون الأولوية لعلاجات عملية وأقل تحليلًا. الهدف هنا هو استعادة «اللبنات الأساسية» الضرورية للرفاهية: الدعم الاجتماعي، اتباع نظام غذائي متوازن، تحريك الجسم، ووضع استراتيجية لرعاية المعالين أو دفع الفواتير أثناء فترة التوقف عن العمل.
في هذه المرحلة الحرجة، تبرز أهمية العلاجات السلوكية، وتحديدًا «العلاج السلوكي المعرفي» (CBT) والتدريب على المهارات في «العلاج السلوكي الجدلي» (DBT). تعمل هذه الأساليب على زيادة السلوكيات الصحية مثل تنظيم اليوم وممارسة الرياضة ورؤية الأصدقاء، وفي المقابل تقليل السلوكيات الإشكالية، تلك التي توفر شعورًا مؤقتًا بالهروب لكنها تزيد الوضع سوءًا، مثل «التصفح المفرط للشاشات» (doom-scrolling)، شرب الكحول بكثافة، أو التسوق المندفع عبر الإنترنت.
تفكيك أنماط التفكير العميقة
بمجرد أن يشعر الشخص بقدر كافٍ من الاستقرار، يمكنه الانتقال إلى علاجات تستهدف الضغوط النفسية الكامنة. هنا يأتي دور «العلاج السلوكي المعرفي» (CBT) بصورته التحليلية، ليساعد في تحديد المعتقدات التي تبقي الشخص عالقًا في أنماط العمل المفرط، أو المثالية، أو إرضاء الناس.
فخلال جلسات العلاج، غالبًا ما تظهر معتقدات مثل: «لا يجب أن أخذل الناس» أو «إذا قلت لا، سينهار كل شيء»، ويساعد المعالج المتخصص في تحديد ما إذا كانت المثالية أو تدني احترام الذات هي المحرك للاحتراق، ويقدم خارطة طريق لتفكيك أساليب التفكير غير المفيدة واختبار استراتيجيات بديلة. يتميز هذا النهج بأنه منظم وتعاوني، مع واجبات منزلية عملية ومساءلة أسبوعية، مما يجعله مثاليًا لمن يحتاجون إلى خطوات واضحة.
البحث عن المعنى والرحمة
بالتوازي مع ذلك، يقدم «علاج القبول والالتزام» (ACT) مسارًا مختلفًا يركز على عيش حياة ذات مغزى، وهو الأمر الذي غالبًا ما يختل أثناء الاحتراق. يساعد هذا العلاج على إعادة الاتصال بالقيم الشخصية في مجالات تتجاوز العمل، مثل العلاقات والهوايات، ويدعمك للتنقل عبر مشاعر الانزعاج، مثل الذنب أو القلق، التي تمنعك من العيش وفقًا لهذه القيم. يعلمك هذا النهج الاستجابة بشكل مختلف لـ «الأفكار اللزجة» التي تبقيك محاصرًا في حلقات الاحتراق، وهي مهارات تصبح مفيدة مدى الحياة.
وفي السياق ذاته، يعالج «علاج التركيز على التعاطف» (CFT) الاختلال في الأنظمة العاطفية الذي يبقيك في حالة اندفاع مستمر. يحدد هذا العلاج الدوافع القائمة على الخوف، مثل خوف الانتقاد أو التخلف عن الزملاء، ويساعدك على إعادة الاتصال بدوافعك الإيجابية وفهم عواطفك بدلًا من قمعها أو انتقاد الذات، معتمدًا على علم أعصاب العواطف والتخيل لبناء مرونة تجاه التوتر.
الجذور العميقة والصدمات
أحيانًا، يكون الاحتراق عرضًا لشيء أقدم وأعمق. هنا يبرز دور «علاج حساسية حركة العين ومعالجة إعادة التكييف» (EMDR)، وهو مفيد بشكل خاص إذا كانت هناك أنماط سلوكية طويلة الأمد أو استجابات تبدو مفرطة بالنسبة للحظة الحالية.
ويساعد المعالج في تتبع هذه الأنماط ليرى ما إذا كانت تعود إلى صدمات كبيرة أو صغيرة، سواء كانت حديثة مثل التعرض للإذلال العلني من قبل رئيس العمل، أو قديمة نابعة من الطفولة مثل التعرض للانتقاد من قبل أحد الوالدين بسبب الدرجات الدراسية.
هذه الحوادث السلبية قد تدفعنا لا شعوريًا للتصرف بطريقة تمنع تكرارها، مثل العمل المفرط لتجنب وصفنا بالكسل. يعمل هذا العلاج على تحديد الذكريات المرتبطة واستخدام التحفيز الثنائي لتحديث كيفية الاحتفاظ بها في الجهاز العصبي، مما يحررك من أنماط السلوك القديمة ويسمح لك بالتخلي عنها.
إن الرحلة من الاحتراق إلى التعافي ليست مسارًا واحدًا، بل عملية مخصصة تبدأ بالاعتراف بالأعراض، مرورًا بالاستقرار السلوكي، ووصولًا إلى معالجة الجذور العميقة التي تدفعنا للجري حتى التوقف.











