يعد العيش بصحة جيدة خيارًا متاحًا في كل مراحل العمر، وليس مجرد نتيجة لجينات وراثية، إذ تشير الأبحاث العلمية أن التدهور المعرفي ليس جزءًا حتميًا من الشيخوخة.
وبدلاً من التسليم بفكرة ضعف الذاكرة مع التقدم في السن، يشدد الخبراء على ضرورة بناء ما يُعرف بـ "الاحتياطي المعرفي"، وهو قدرة الدماغ على مقاومة الأضرار الناتجة عن التقدم في العمر عبر إيجاد مسارات عصبية بديلة.
ويتحقق ذلك من خلال الحفاظ على نشاط العقل وتحديه بمهارات جديدة بشكل مستمر، حيث أثبتت الدراسات أن تعلم لغة ثانية أو ممارسة هواية معقدة مثل البستنة يحفز مناطق في الدماغ لا تُستخدم عادةً، مما يساهم في تأخير أعراض الزهايمر لمدة قد تصل إلى خمس سنوات.
وبما أن الدماغ يمر بمراحل تحول كبرى، لا سيما في منتصف الثلاثينيات والستينيات، فإن التدخل المبكر يمنح الإنسان مرونة أكبر في مواجهة التحديات الصحية المستقبلية.
وتعتبر المرونة العصبية، أي قدرة الدماغ على تكوين روابط جديدة، مهارة يمكن تعزيزها في أي وقت، فالعقل يشبه العضلة التي تحتاج إلى التمرين المنتظم لتبقى قوية.
ويؤكد علماء النفس أن مجرد الإيمان بإمكانية التغيير والبدء بخطوات بسيطة مثل الانضمام إلى نوادي القراءة أو تجربة تمارين ذهنية يومية، يمثل حجر الزاوية في استراتيجية الوقاية طويلة الأمد، مما يجعل الحفاظ على حدة الذكاء أمرًا ممكنًا حتى في أرذل العمر.
الغذاء والتواصل الاجتماعي كركائز من أجل العيش بصحة جيدة
تكتمل منظومة العيش بصحة جيدة من خلال التركيز على جودة الوقود الذي نمنحه لأجسادنا، حيث أثبتت عقود من البحث أن النظام الغذائي الغني بالألوان هو المفتاح لحماية الدماغ والقلب.
ويركز العلم الحديث على ضرورة زيادة تناول الألياف والدهون المتعددة غير المشبعة الموجودة في الجوز والأسماك الدهنية، مع تقليل الدهون المشبعة التي تحفز إنتاج مركبات "السيراميد" الضارة بالخلايا العصبية.
كما يلعب "الكولين"، المتوفر بكثرة في البيض، دورًا حيويًا في تعزيز الذاكرة والوقاية من الاكتئاب، مما يجعل التعديلات الغذائية البسيطة والمستمرة أكثر فعالية من الأنظمة القاسية والمؤقتة التي لا تدوم طويلًا.
وعلاوة على الغذاء والرياضة، يبرز التواصل الاجتماعي كعامل حاسم في طول العمر، إذ إن العزلة تضعف الجهاز المناعي وتزيد من مخاطر الإصابة بأمراض القلب.
ويعزز الانخراط في مجموعات اجتماعية أو الحفاظ على لقاءات دورية مع الأصدقاء يعزز الحالة المزاجية ويحمي الدماغ من آثار الشيخوخة المبكرة، تمامًا كما يفعل النشاط البدني.
وتؤكد دراسة "فينجر" الفنلندية أن دمج هذه العناصر معًا، من رياضة وغذاء وتواصل، يحسن الوظائف الإدراكية بنسبة تصل إلى 25%، مما يثبت أن سر العيش بصحة جيدة يكمن في تلك التغييرات الصغيرة والمتسقة التي نقوم بها اليوم لضمان غدٍ أفضل وأكثر حيوية.














