أعادت موافقة مجلس النواب المصري، اليوم الاثنين، على تفويض الرئيس عبد الفتاح السيسي باتخاذ ما يلزم من إجراءات لدعم المملكة العربية السعودية والدفاع عن أراضيها وسيادتها، تسليط الضوء على أشكال المساندة العربية في مواجهة الأزمات.
ولا تقتصر هذه المساندة على المواقف السياسية والأمنية، بل تمتد إلى توظيف الموارد الاقتصادية وتمويل المشروعات التنموية، بما يطرح تساؤلًا حول كيفية تحول الدعم من استجابة لظرف طارئ إلى تعاون يمتد أثره لسنوات.
وجاءت موافقة البرلمان استنادًا إلى ما توافق عليه مجلس الدفاع الوطني في اجتماعه يوم 18 أكتوبر الجاري، بشأن التضامن مع السعودية وتقديم أشكال الدعم اللازمة والممكنة للدفاع عن أمنها واستقرارها، بالتوازي مع تكثيف الجهود السياسية والدبلوماسية لخفض التصعيد وتسوية الأزمات الإقليمية سلميًا.
معاهدة 1950
لم يكن الربط بين الأمن والتعاون الاقتصادي فكرة طارئة في العمل العربي المشترك؛ فقد جمعتهما معاهدة الدفاع المشترك والتعاون الاقتصادي بين دول الجامعة العربية، الموقعة عام 1950، والتي شاركت فيها مصر والسعودية إلى جانب دول عربية أخرى.
ونصت المعاهدة على اعتبار الاعتداء المسلح على دولة متعاقدة اعتداءً على الدول الأطراف جميعًا، والتعهد بمساعدة الدولة المعتدى عليها واتخاذ التدابير المتاحة لرد العدوان واستعادة الأمن والسلام. كما دعت إلى التشاور عند تهديد استقلال أي دولة أو سلامة أراضيها أو أمنها، وتنسيق الخطط والتدابير الدفاعية وفقًا لمقتضيات الموقف.
وامتد الإطار المشترك إلى الجانب الاقتصادي؛ إذ نصت المادة السابعة على التعاون في تنمية الاقتصادات العربية واستغلال الموارد الطبيعية وتسهيل تبادل المنتجات الزراعية والصناعية، إلى جانب تنسيق الأنشطة الاقتصادية وإبرام الاتفاقات اللازمة لتحقيق هذه الأهداف. كما أقرت المادة الثامنة إنشاء مجلس اقتصادي يتولى تقديم التوصيات المتعلقة بالتعاون في هذه المجالات.
قمة الخرطوم 1967
قدمت قمة الخرطوم العربية، التي انعقدت في سبتمبر 1967 عقب حرب يونيو، نموذجًا لتوظيف الموارد الاقتصادية في مساندة الدول المتضررة من الأزمات. فلم تقتصر قراراتها على تأكيد التضامن ووحدة العمل العربي، بل تناولت أيضًا سبل التعامل مع الآثار الاقتصادية للحرب.
ووفقًا لنص القرارات المنشور لدى الأمم المتحدة، أكد القادة العرب ضرورة توحيد الجهود لإزالة آثار العدوان، وتحمل الدول العربية مجتمعة مسؤولية استعادة الأراضي التي احتلتها إسرائيل.
وفي الجانب الاقتصادي، تناول القرار الرابع دور النفط، معتبرًا أن استئناف ضخه يمكن أن يمثل أداة لدعم اقتصادات الدول العربية المتضررة من الحرب، ومساعدتها على مواجهة الضغوط الاقتصادية. وأشار القرار إلى مشاركة الدول المنتجة للنفط في مساندة الدول المتضررة، كما وافق المشاركون على خطة لإنشاء صندوق عربي للإنماء الاقتصادي والاجتماعي، استنادًا إلى توصية سابقة لمؤتمر وزراء المالية والاقتصاد والنفط العرب.
جامعة الملك سلمان
يمثل التعاون التنموي بين السعودية ومصر صورة أخرى من صور الدعم العربي، تتمثل في تمويل مشروعات تقدم خدمات مستمرة، بدلًا من الاقتصار على الاستجابة للاحتياجات المرتبطة بالأزمات. وتبرز جامعة الملك سلمان الدولية في مصر مثالًا على هذا المسار، من خلال مساهمة الصندوق السعودي للتنمية في تمويل المشروع ضمن نشاطه لدعم قطاع التعليم.
وافتُتحت الجامعة في أكتوبر 2020، وتضم ثلاثة فروع في الطور ورأس سدر وشرم الشيخ. وبلغ حجم التمويل المخصص لها نحو 441 مليون دولار، وفقًا لبيانات الصندوق السعودي للتنمية المنشورة في مايو 2023، فيما تصل طاقتها الاستيعابية في فروعها الثلاثة إلى نحو 26 ألف طالب سنويًا.
ولا تتعلق أهمية المشروع بحجم التمويل وحده، بل بطبيعة الخدمة التي يقدمها؛ فالجامعة تتيح فرصًا للتعليم العالي في سيناء، وتوفر تخصصات متعددة، بما يربط التعاون التنموي بالتعليم وإعداد الكوادر البشرية.
ومن المهم التمييز بين أدوات الدعم المالي؛ فتمويل المشروعات التنموية قد يأتي في صورة قروض أو منح، ولكل منهما طبيعة والتزامات مختلفة. ووفقًا للصندوق السعودي للتنمية، دعمت المملكة تمويل 32 مشروعًا وبرنامجًا تنمويًا في مصر بأكثر من 2.36 مليار دولار، إلى جانب منحتين قدمتهما الحكومة السعودية بقيمة إجمالية بلغت 700 مليون دولار.
ويعني هذا التنوع أن تقييم الدعم لا يعتمد على قيمته المالية فقط، بل يتطلب النظر أيضًا إلى طبيعة التمويل وشروطه، والأهداف التي يسعى إلى تحقيقها، ومدى استمرار الخدمات والنتائج التي يتيحها المشروع بعد إنشائه.
تعدد أدوات الدعم العربي
توضح هذه النماذج تنوع أشكال الدعم العربي بين المساندة السياسية والأمنية، والإسناد الاقتصادي، وتمويل المشروعات التنموية. وبينما ترتبط كل صورة منها بطبيعة الاحتياج، تتيح المشروعات التنموية تحويل الدعم إلى خدمات ومؤسسات يمتد أثرها إلى ما بعد الأزمات.




