مع اندلاع الحرب بين الولايات المتحدة وإيران في نهاية فبراير، توقعت الأسواق أن تقفز أسعار النفط إلى مستويات غير مسبوقة، مع تصاعد المخاوف من تعطل الإمدادات عبر مضيق هرمز الذي يمر من خلاله نحو خُمس تجارة النفط العالمية.
لكن بعد خمسة أشهر من الصراع، جاءت حركة الأسعار أقل بكثير من التوقعات لتطرح سؤالًا جوهريًا حول الأسباب التي حدت من موجة الارتفاع رغم استمرار الحرب.
أسعار النفط لم تتخطى أزمة 2008
عند اندلاع الحرب، رجح عدد من المحللين وصول سعر خام برنت إلى ما بين 150 و200 دولار للبرميل، لكن الأسعار بلغت ذروتها عند نحو 126 دولارًا فقط، وهو مستوى يقل حتى عن أعلى سعر تاريخي سجله الخام في عام 2008 عندما وصل إلى 147 دولارًا.
وخلال الفترة الممتدة من 28 فبراير إلى 11 يونيو، بلغ متوسط سعر برنت نحو 101 دولار للبرميل، قبل أن يتراجع لفترة وجيزة إلى قرابة 70 دولارًا مطلع يوليو عقب إعلان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلغاء الضربات على إيران.
الصين تصمد وأمريكا تعزز
ورغم استمرار الحرب، لم تتحقق السيناريوهات التي راهنت على أزمة إمدادات عالمية واسعة إذ ساهم تباطؤ الطلب العالمي في الحد من الضغوط على السوق، وفي مقدمة ذلك "الصين" أكبر مستورد للنفط في العالم بعدما تراجعت وارداتها من الخام إلى أدنى مستوياتها خلال عقد، بالتزامن مع انخفاض صادرات الوقود وتسارع الاعتماد على السيارات الكهربائية.
وفي المقابل، عززت الولايات المتحدة المعروض العالمي بعدما رفعت إنتاجها إلى مستوى قياسي بلغ 13.93 مليون برميل يوميًا، إلى جانب ضخ نحو 400 مليون برميل من احتياطيها النفطي الاستراتيجي، وهو ما عوض جزءًا كبيرًا من اضطرابات الإمدادات القادمة من الشرق الأوسط.
كما لم تتعامل الأسواق مع الحرب باعتبارها أزمة طويلة الأمد، فقد دفعت التصريحات المتكررة والمتضاربة بشأن فرص التوصل إلى اتفاق سلام أو إعادة فتح مضيق هرمز المستثمرين إلى تجنب بناء مراكز شرائية كبيرة في سوق النفط.
السعودية تدعم السوق العالمي
ورغم تعطل الملاحة في مضيق هرمز خلال فترات من الصراع، استمرت كميات من النفط في الوصول إلى الأسواق العالمية. إذ كثفت السعودية صادراتها عبر موانئ البحر الأحمر، كما سمحت فترات إعادة فتح المضيق خلال يونيو باستئناف جزء من حركة الشحن، ما خفف من مخاوف نقص الإمدادات.
وأظهرت السوق الفعلية أيضًا مؤشرات على وفرة المعروض خاصة في أوروبا، حيث انخفضت الفوارق السعرية بين الشحنات الفورية والعقود الآجلة، كما تراجعت علاوات بعض الخامات القياسية مثل خام فورتيز في إشارة إلى أن المشترين لم يشعروا بوجود نقص حقيقي في الإمدادات.
وفي الوقت نفسه، بدأت الأسواق تفقد حساسيتها تجاه الأخبار اليومية المرتبطة بالحرب، ويصف التقرير هذه الظاهرة بما يعرف بـ"إرهاق العناوين"، إذ لم تعد الضربات العسكرية أو التهديدات المتبادلة تدفع المستثمرين إلى شراء النفط بالزخم نفسه الذي شهدته الأيام الأولى من الصراع.
كما بقيت رهانات المضاربين على ارتفاع الأسعار محدودة، فلم ترتفع المراكز الشرائية في عقود خام برنت إلى المستويات المعتادة خلال الأزمات الجيوسياسية الكبرى، في ظل اعتقاد واسع بأن أي اضطراب في الإمدادات سيكون مؤقتًا وليس دائمًا.
وتزامن ذلك مع تراجع السيولة في سوق النفط، حيث فضّل عدد من المستثمرين البقاء خارج السوق بدلًا من المخاطرة في ظل ضبابية المشهد، وهو ما قلل من حدة التقلبات السعرية.
دوافع مختلفة
ولم تتحرك أسعار النفط في اتجاه صاعد بشكل متواصل، إذ كانت كل موجة ارتفاع تتبعها عمليات بيع مع ظهور مؤشرات على احتمال استئناف المفاوضات أو إعادة فتح بعض مسارات التصدير، ما أبقى الأسعار داخل نطاقات محدودة نسبيًا.
وبمرور الوقت، أصبحت العوامل الاقتصادية التقليدية أكثر تأثيرًا في حركة أسعار النفط من التطورات العسكرية نفسها، إذ عاد المستثمرون للتركيز على مستويات الإنتاج الأمريكي، والطلب الصيني، وحجم المخزونات العالمية، باعتبارها مؤشرات أكثر استدامة في تحديد اتجاه السوق.
ورغم ذلك، لا تزال سوق النفط شديدة الحساسية لأي تطور جديد في الصراع. فقد عادت الأسعار إلى الارتفاع مع تصاعد الضربات الأمريكية على إيران، لكنها بقيت بعيدة عن المستويات التي توقعها كثير من المحللين عند بداية الحرب.
وفي المحصلة، لا تشير تطورات الأشهر الخمسة الماضية إلى أن الحرب لم تؤثر في أسعار النفط، بل تؤكد أن العوامل التي دعمت وفرة المعروض وأضعفت الطلب كانت أقوى من العوامل التي دفعت الأسعار إلى الصعود، وهو ما أبقى متوسط خام برنت عند نحو 101 دولار للبرميل، رغم بلوغه ذروة بلغت 126 دولارًا، وهي مستويات تقل كثيرًا عن التوقعات التي سادت مع اندلاع الحرب.














