قال أمين مجمع الملك سلمان العالمي للغة العربية الدكتور عبد الله الوشمي إن اللغة ترتبط بالثقافة ارتباطًا وثيقًا، إذ تصوغ المجتمعات من خلالها رؤيتها للعالم، وتسمي بها الأشياء، وتعبر عن قيمها ومعارفها.

وأشار في كلمته خلال المؤتمر السنوي الدولي الخامس للمجمع، المنعقد في الرياض يومي 4 و5 أكتوبر 2026، إلى أن العربية تمتلك إرثًا وتجربة ممتدة أسهما في تعزيز حضورها من خلال ارتباط محتواها بالبعد الثقافي، وقدرتها على استيعاب المفاهيم الجديدة، ومشاركتها في حركة الترجمة والتبادل المعرفي والحضاري.

تمكين العربية يحتاج إلى سياسة وتعليم وتقنية

ويركز المؤتمر على علاقة اللغة العربية بالثقافة من زوايا تشمل الهوية الثقافية، والتفاعل الحضاري، والإبداع المعرفي والفني، والثقافة الرقمية، والسياسات الثقافية، وآفاق المستقبل. وتندرج ضمن هذه المحاور مناقشة أبعاد الثقافة الرقمية، وتأثير المنصات والذكاء الاصطناعي في تشكيل الهوية وإنتاج المحتوى العربي، فضلًا عن التجارب المؤسسية والسياسات الثقافية والتشريعات والأنظمة الوطنية الداعمة للعربية، مع استشراف مستقبلها في المجالات الإبداعية والاقتصاد المعرفي.

ومن هذه العلاقة بين اللغة ومجالات الحياة المختلفة، انتقل الوشمي إلى مسألة تمكين العربية، موضحًا أن ذلك يتطلب حضورًا مستدامًا لا يتحقق بمسار واحد، وإنما يحتاج إلى سياسة واعية، ومعرفة موثوقة، وتعليم مؤثر، وأدوات تقنية، وفضاء ثقافي يجعلها جزءًا حيًا من حياة المجتمع. وفي هذا السياق، يعمل المجمع ضمن منظومة تشمل التخطيط والسياسة اللغوية، والحوسبة، والتعليم، والثقافة، من خلال بناء الأطر والمعايير والموارد، وربط العمل اللغوي بالتقنية والذكاء الاصطناعي.

السياسة الوطنية تعزز حضور العربية في القطاعات

وتحظى اللغة العربية في السعودية، بحسب الوشمي، بدعم متواصل للمبادرات والبرامج والمشروعات، فيما يأتي إقرار السياسة الوطنية للغة العربية استكمالًا لمسيرة العناية بها، وتأطير الجهود، وتمكينها في مختلف القطاعات. وثمّن الوشمي دعم وزير الثقافة الأمير بدر بن عبد الله بن فرحان آل سعود لجهود المجمع، ومتابعتها، وتقويمها، وتحفيزها.

وعقب المؤتمر، أوضح الوشمي، في تصريح صحفي، أن المناقشات تناولت موضوعات مرتبطة بالهوية وتفاصيل السياسة الوطنية للغة العربية، فضلًا عن التعليم والجانب التقني والذكاء الاصطناعي من منظور ثقافي يربط اللغة بالثقافة. ويأتي حضور الذكاء الاصطناعي في النقاشات متصلًا بنشاط المجمع في هذا المسار، من خلال البرامج والمشروعات والتطبيقات والمنصات المتنوعة، إضافة إلى مركز «ذكاء العربية» بمعامله الخمسة.

«بلسم» يقيس قدرة النماذج اللغوية على فهم العربية

ومع اتساع هذا المسار، أشار الوشمي إلى أن المؤتمر يطرح تساؤلات حول دور العلوم والتقنية والرياضة والإعلام والاقتصاد والقضاء والطب والتعليم في التعامل مع الذكاء الاصطناعي، باعتبار اللغات الوسيلة المباشرة للتعامل معه، وهو ما أدى إلى ظهور النماذج اللغوية الضخمة. ومن بين المشروعات التي أطلقها المجمع في هذا المجال مؤشر «بلسم»، الذي يهدف إلى قياس مستوى نضج تقنيات النماذج اللغوية الضخمة، وتقييم قدرتها على تلبية احتياجات اللغة العربية وفهم اللهجات والثقافة والرموز الثقافية والنكات. وتشمل النماذج التي يقيّمها المؤشر Chatgpt، وGemini، وDeepseek، وعلّام، وفنار.

ويمتد عمل المجمع خارج هذا المسار إلى نطاق جغرافي ومؤسسي أوسع، إذ وصلت آثاره وأعماله، بحسب ما أورده الوشمي، إلى أكثر من 60 دولة وأكثر من 10 منظمات دولية، من بينها الأمم المتحدة، واليونسكو، والإيسيسكو، والألكسو، وجامعة الدول العربية. كما أنجز أكثر من 300 إصدار علمي ومعرفي، وطوّر أكثر من 40 معجمًا رقميًا، وعمل على مدونات متخصصة، وبنى عبر مركز «ذكاء العربية» منصة تضم أكثر من 50 لعبة لغوية.

وشملت أعمال المجمع كذلك إنشاء مراكز محلية ودولية، وبناء منصات رقمية لتعليم اللغة العربية، وإعداد المناهج التعليمية، والاختبارات المعيارية، والمسابقات، والجوائز، والمعارض.

ويأتي المؤتمر الدولي الخامس امتدادًا للمؤتمرات السنوية للمجمع، التي تتناول في كل دورة موضوعًا متخصصًا من المسائل المتصلة باللغة العربية ومجالاتها، وتجمع الباحثين والمختصين من دول العالم لتبادل المعرفة والخبرات ومناقشة المستجدات العلمية ذات الصلة.