في قلب الرياض، وبين معالم منطقة قصر الحكم، يقف جامع الإمام تركي بن عبد الله شاهدًا على تاريخ عمراني تبدلت ملامحه مع مرور الزمن. تغيرت مواده واتسعت مساحاته، بينما ظل ارتباطه بقصر الحكم وحضوره ضمن المشهد العمراني للمدينة قائمًا.

ومع احتفاء المملكة العربية السعودية بيومها الوطني، اليوم الأربعاء، يستعيد الجامع مكانته في المشهد بوصفه أحد أكبر مساجد الرياض وأهمها. فمنذ تأسيسه في عهد الإمام تركي بن عبد الله، مر الجامع بمراحل متتابعة من البناء والتوسعة والترميم، حتى وصل إلى صورته الحالية.

البداية من «النقعة»

بُني الجامع في أرض عُرفت باسم «النقعة» وسط الرياض، بأمر الإمام تركي بن عبد الله بن محمد بن سعود. وأسند الإشراف عليه إلى الشيخ عبد الرحمن بن حسن آل الشيخ، الذي عينه مشرفًا ورئيسًا للعلماء، وطلب منه إعادة المدرسة القديمة لدراسة العلوم والفنون الشائعة آنذاك.

وروعي في اختيار الموقع قربه من عدد من الأحياء، إلى جانب قربه من قصر الحكم. ومنذ بدايته، لم يقتصر دور الجامع على إقامة الصلاة، إذ أراده الإمام تركي مؤسسة علمية على غرار ما كان قائمًا في الدولة السعودية الأولى.

وخلال حكم الإمام تركي بين 1241 هـ و1249 هـ، الموافق 1826 و1834، أُعد باب في قبلة المسجد جنوب المحراب. وكان هذا الباب مخصصًا لدخول الإمام وخروجه عند صلاة الجمعة، بما يتيح له الوصول إلى مكانه دون تخطي رقاب المصلين بسبب كثرة الصفوف.

توسعات ربطت الجامع بقصر الحكم

مع الإمام فيصل بن تركي بن عبد الله آل سعود، دخل الجامع مرحلة جديدة من التوسع. ففي عام 1259 هـ أعاد بناءه، وزاد سعته من الناحيتين الشرقية والغربية، وأدخل إلى ساحاته زخارف إسلامية لم تكن معروفة في نجد آنذاك.

كما أقام ممرًا علويًا بين المسجد وقصر الحكم، ثم أنشأ ممرًا طويلًا ومغطى ومحمولًا على عدد من الأعمدة لربط الجامع بالقصر، واستحدث مساقي جديدة له. وبهذه الإضافات، استمر الارتباط العمراني بين المسجد ومقر الحكم في قلب الرياض.

لاحقًا، واصل الملك عبد العزيز بن عبد الرحمن آل سعود الاهتمام بالجامع، فزاد فيه وربطه بقصر الحكم عبر جسر سهل الوصول إليه خلال الصلوات والجمع، كما أناره. ثم استمر هذا الاهتمام في عهد الملك سعود، الذي زاد في عمارته، وأمر بتجديد فرشه وإنارته، وضم إليه أملاكًا لزيادة مساحته.

وفي تلك الفترات القديمة، بُني الجامع بمواد البناء التقليدية، من الطين واللبن المجفف، فيما شُيدت أسقفه من جذوع النخل والحجارة. ومع عهد الملك فيصل بن عبد العزيز آل سعود والملك خالد بن عبد العزيز، انتقلت أعمال العناية به إلى البناء الحديث، وشهد التوسعة الثانية والترميم وفرشًا جديدًا.

من العمارة التقليدية إلى حجر الرياض

جاءت مرحلة أخرى ضمن مشروع تطوير منطقة قصر الحكم، بإشراف الهيئة العليا لتطوير مدينة الرياض. ومعها تغيرت معالم الجامع القديمة إلى أشكال جديدة في العمارة والإنشاء، مع بقاء عناصر مستلهمة من البناء التقليدي.

شُيد الجامع من وحدات خرسانية سابقة الصب، وغطيت جدرانه الخارجية والجزء العلوي من الجدران الداخلية بحجر الرياض، فيما غُطي الجزء الأسفل من الجدران والأعمدة بالرخام الأبيض. أما السقف، فغطته بلاطات خرسانية تشبه المرابيع الخشبية التي كانت تغطي سقف المسجد القديم.

ولم تتوقف التحديثات عند البناء، إذ جُهز الجامع بوسائل البث التليفزيوني والإذاعي المباشر، إلى جانب كاميرات تليفزيونية يمكن التحكم فيها عن بُعد.

ذاكرة المكان في الأرقام والأسماء

وثق الرحالة وليام جيفورد بلجريف معالم الجامع عام 1862م، قبل أن ينال الجامع جائزة «آغا خان» العالمية للعمارة. ويرتبط المسجد بقصر الحكم عبر تكامل عمراني يمر بساحة الصفاة، ليجمع الموقع بين المسجد ومحيطه العمراني.

وتُقدر مساحة الجامع بنحو 16.8 ألف متر مربع، فيما يستوعب نحو 17 ألف مصلٍ في وقت واحد. ويتكون من مصلى رئيسي للرجال وآخر للنساء، تبلغ مساحته 6.32 آلاف متر مربع وارتفاعه 14.8 مترًا، إلى جانب ساحة خارجية تبلغ مساحتها 4.8 آلاف متر مربع.

ويضم الجامع كذلك مكتبتين، إحداهما للرجال والأخرى للنساء، تبلغ مساحة كل منهما نحو 325 مترًا مربعًا، إضافة إلى سكن للإمام والمؤذن ومكاتب للأجهزة الحكومية ذات الصلة. وعلى جانبيه أقيمت منارتان بارتفاع 50 مترًا، استُلهم تصميمهما من روح العمارة التقليدية في نجد.

وامتدت ذاكرة الجامع أيضًا عبر سلسلة طويلة من الأئمة والمؤذنين. فمنذ منتصف القرن الثاني عشر الهجري، توالى على إمامته سليمان بن محمد بن أحمد بن علي بن سحيم عام 1158 هـ، ومحمد بن صالح، وعبد الوهاب بن محمد بن صالح، ومحمد بن عبد الوهاب بن محمد، وعبد الرحمن بن حسن بن محمد بن عبد الوهاب عام 1241 هـ، وعبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن عام 1285 هـ، ومحمد بن إبراهيم بن محمود عام 1293 هـ، إلى جانب عدد آخر من الأئمة الذين تعاقبوا على الجامع عبر العقود.

ومن بين من تولوا الإمامة كذلك عبد العزيز بن صالح بن موسى بن مرشد، وعبد الله بن عبد اللطيف آل الشيخ، وعبد الرحمن بن محمد بن عساكر بالإنابة خلال مرض عبد الله بن عبد اللطيف آل الشيخ، وعبد الرحمن بن عبد اللطيف بالإنابة لنصف عام، ومحمد بن عبد اللطيف بن عبد الرحمن آل الشيخ، وعمر بن عبد اللطيف عام 1365 هـ، وسعد بن عتيق، وعبد الرحمن بن عبد اللطيف للمرة الثانية حتى عام 1366 هـ، وعبد الله بن عبد الرحمن بن عبد اللطيف، وإبراهيم بن سليمان آل مبارك، وعبد الرحمن بن علي بن عودان عام 1370 هـ.

ثم تولى محمد بن إبراهيم آل الشيخ الإمامة من عام 1373 هـ إلى وفاته عام 1389 هـ، وكان مفتي الديار، وخلفه عبد العزيز بن عبد الله بن باز من عام 1389 هـ. كما تولى عبد الله بن عبد الرحمن بن جبرين الإمامة بالإنابة من عام 1420 هـ، ثم عبد العزيز بن عبد الله آل الشيخ، ومحمد بن عبد الله بن عمر آل الشيخ بالإنابة في غياب عبد العزيز بن عبد الله آل الشيخ، وعبد الله بن عبد العزيز بن عبد الله آل الشيخ.

وكما تعاقب الأئمة، تولى الأذان في الجامع عدد من المؤذنين، من أبرزهم الشيخ سلطان بن فهد بن سلطان، والشيخ عبد الله بن سلطان بن فهد بن سلطان، والشيخ سلطان بن عبد الله بن سلطان بن فهد بن سلطان، والشيخ محمد بن عبد الله بن سلطان بن فهد بن سلطان، والشيخ عبد العزيز بن عبد الرحمن بن ماجد، والشيخ عبد الرحمن بن عبد العزيز بن ماجد، والشيخ منصور بن محمد المزيد، والشيخ عبد الله بن منصور بن محمد المزيد.

من «النقعة» إلى صورته الحديثة، مر جامع الإمام تركي بن عبد الله بتحولات متتابعة في البناء والمساحة والتجهيز. ومع ذلك، ظل ارتباطه بقصر الحكم حاضرًا في تركيبته العمرانية، فيما واصل المكان حمل طبقات متعاقبة من تاريخه عبر الرياض.