في أحد مشاهد فيلم «Artificial»، يتعلم نظام ذكاء اصطناعي الكذب حتى يتمكن من اجتياز اختبار إلكتروني صُمم للتأكد من أن المستخدم إنسان حقيقي. لا يكتفي النظام بتجاوز الاختبار، وإنما يخدع الجهة التي تحاول التحقق من هويته، في مشهد يضع مخاوف فقدان السيطرة على هذه التكنولوجيا في قلب الحكاية.
اكتسب المشهد دلالة أكثر إلحاحًا مع انكشاف وقائع عن أنظمة ذكاء اصطناعي نسقت فيما بينها خلال اختبارات أمنية، وتمكنت من اختراق منصات ومواقع إلكترونية. وبينما تتزايد الدعوات إلى فرض ضوابط تحد من مخاطر هذه الأنظمة، يعيد الفيلم رواية تأسيس شركة «OpenAI» من زاوية الصراع على غايتها، ومن يحدد مسارها، وما إذا كان السعي إلى تطوير الذكاء الاصطناعي يخدم البشرية أم يضع مستقبلها على المحك.
أكمل المخرج لوكا جوادانيينو تصوير الفيلم في سبتمبر 2025، قبل عرضه للمرة الأولى في مهرجان نيويورك السينمائي وسط إشادة واسعة. ولم يكن العمل بحاجة إلى التنبؤ بما سيحدث حتى يبدو راهنًا، إذ جاءت التطورات اللاحقة لتمنح تحذيراته صلة مباشرة بما يجري خارج الشاشة.
حين تتجاوز الأنظمة حدودها
في يوليو، كُشف أن وكلاء ذكاء اصطناعي تابعين لـ«OpenAI» تواصلوا ونسقوا فيما بينهم خلال اختبارات أمنية، رغم أن تصميمهم كان يفترض عزلهم بعضهم عن بعض. وانتهى الأمر بمحاولة اختراق منصة «هاجينج فيس».
ولم تقتصر الوقائع على هذه الحادثة، إذ أعلنت شركات «Google» و«Meta» و«Anthropic» أن أنظمتها تمكنت أيضًا من اختراق شركات أخرى. وأقرت «OpenAI» بأن وكلاءها وصلوا إلى موقع حكومي أسترالي.
أعادت هذه الحوادث مسألة السيطرة على الأنظمة الذكية إلى الواجهة، وزادت المطالب باتخاذ تدابير تضمن سلامتها. ويتفق قادة كبرى شركات التكنولوجيا على ضرورة الحد من المخاطر، وإن اختلفوا بشأن كيفية تحقيق ذلك. ومن هنا تبرز صلة هذه الوقائع بحكاية الفيلم، الذي يتتبع كيف تغيرت أهداف شركة تأسست على أمل تسخير الذكاء الاصطناعي لخدمة الإنسان.
من إنهاء المعاناة إلى حسابات السوق
يعود الفيلم إلى البدايات، حين تأسست «OpenAI» منظمة غير ربحية بمشاركة سام ألتمان، الذي يؤدي دوره أندرو غارفيلد، وإيليا سوتسكيفر، الذي يجسده يورا بوريسوف. كان الاثنان يؤمنان بأن الذكاء الاصطناعي سيعود بالنفع على البشرية، قبل أن تتحول الشركة إلى قوة كبرى تقف وراء «ChatGpt».
يجعل جوادانيينو سوتسكيفر محور الحكاية، ويقدمه عالمًا منشغلًا بالعواقب الأخلاقية للتقدم العلمي. ويستعيد الفيلم علاقته بجيفري هينتون، أحد أبرز رواد الذكاء الاصطناعي، الذي يؤدي دوره مارك ريلانس. كان هينتون يحذر من سرعة تطور التكنولوجيا، ويتوجس من احتمال اكتسابها قدرات على التفكير.
وعندما يغادر سوتسكيفر شركة «Google» للمشاركة في تأسيس «OpenAI»، يبدو مقتنعًا بأن التقدم العلمي قادر على إنهاء المعاناة. ويقول في الفيلم إن «كل المعاناة ستتوقف، كل الألم، كل الوحدة».
لكن طموحاته تصطدم تدريجيًا بمسار الشركة وتغير أولوياتها. فبينما ينشغل سوتسكيفر بالمسؤولية الأخلاقية، يصور الفيلم ألتمان منشغلًا بإدارة الشركة واتخاذ قرارات تهمش زملاءه. ولا يمنح العمل شخصية ألتمان العمق نفسه، إذ يعرض قراراته دون أن يكشف بما يكفي عن دوافعه.
أزمة قيادة تكشف الانقسام
يصل الصراع إلى ذروته في عام 2023، حين أقال مجلس إدارة «OpenAI»، وكان سوتسكيفر عضوًا فيه، ألتمان من منصب الرئيس التنفيذي، قبل أن يعيده بعد 5 أيام.
قال المجلس إن ألتمان لم يكن «صريحًا باستمرار في تواصله» معه. وامتنع ألتمان مرارًا عن تناول الاتهامات مباشرة. وخلال فعالية في دافوس عام 2024، تساءل عما إذا كان من الأفضل الانشغال بما سيحققه الذكاء الاصطناعي العام بدلًا من «هذه المسلسلات الدرامية».
يروي الفيلم الأزمة من منظور سوتسكيفر، فيما قال ألتمان الحقيقي، الذي شاهد الإعلان الترويجي دون مشاهدة الفيلم كاملًا، إنه لا يعتقد أن صانعي العمل يسعون إلى تقديم رواية دقيقة.
خلاف يتجاوز حدود الشاشة
امتدت الخلافات إلى إنتاج الفيلم نفسه. فقد تولت استوديوهات «أمازون إم جي إم» تطويره وتمويله، قبل أن تعلن في يونيو أنها لن تتولى توزيعه. وجاء القرار بعد 4 أشهر من استثمار أمازون 50 مليون دولار في شراكة مع «OpenAI».
أثار التوقيت تساؤلات بشأن احتمال تضارب المصالح. وفي مقابلة مع مجلة «The Hollywood Reporter»، وصف جوادانيينو هذه المسألة بأنها «مهمة يصعب تجاهلها». واشترت شركة «Neon» الفيلم لاحقًا، وحددت 25 ديسمبر موعدًا لطرحه في دور السينما الأمريكية، و22 يناير 2027 لعرضه في بريطانيا.
ويختتم الفيلم باقتباس من جاكوب كوكسون، الباحث السابق في شركة «Anthropic»، الذي أثار مخاوف عامة في سبتمبر حين كتب على منصة «إكس» أن «الأشخاص الذين يبنون الذكاء الاصطناعي يؤمنون بصدق بأنه قد يقتلنا جميعًا قبل نهاية العقد».




