السعودية

الانكماش السكاني في السعودية.. ناقوس خطر أم وعي بمتطلبات المستقبل؟

النمو السكاني من القضايا المهمة التي تؤرق معظم الدول، ولكن كل مجتمع يتناول هذه القضية من منظوره الخاص فهناك من يعاني من زيادة سكانية متسارعة تهدد معدلات النمو الاقتصادي وتلتهم الموارد، وهناك من يعاني من أزمة انخفاض النمو السكاني، التي تهدد التطور الاقتصادي والنمو خاصة أن العنصر البشري هو أساس أي نجاح والمحرك الرئيسي للتقدم، وعليه فإن حسم كون مسألة ارتفاع عدد السكان أو انخفاضه، نعمة أم نقمة، يتوقف بالأساس على حجم اقتصادك، ومدى احتياج هذا الاقتصاد للعنصر البشري، ومدى شباب المجتمع في مقابل نسب كبار السن فيه.

على الصعيد المحلي، دخلت المملكة مؤخرًا مربع انخفاض عدد المواليد فبعد أن كان معدل المواليد فيها 44 مولودًا لكل ألف نسمة من السكان في عام 1980، شهد هذا الرقم تناقصًا متسارعًا ليصل مؤخرًا إلى حوالي 17 مولودًا لكل ألف نسمة، حسب تصنيف مؤشرات التنمية العالمية (WDI).

أما فيما يتعلق بمعدل الخصوبة الكلي الذي يقيس متوسط عدد مرات الولادة لكل امرأة فقد وصل في السعودية إلى (2.3)، وهو رقم مخيف فلماذا؟

عدد السكان في منتصف عام 2021

وفقًا لبيانات الهيئة العامة للإحصاء السعودية، بلغ إجمالي عدد السكان في المملكة 34.1 مليون نسمة في 2021 (منتصف العام) وفقًا لتقديرات الهيئة العامة للإحصاء وهو ما شكل انخفاضًا بنسبة 2.6% بالمقارنة مع منتصف عام 2020 ،حيث بلغ عدد السكان حينها 35.0 مليون نسمة وقد كان العامل الرئيسي المحرك لانخفاض إجمالي عدد السكان في عام 2021 هو انخفاض عدد السكان غير السعوديين بنسبة 8.6% مع خروج العديد من غير السعوديين من البلاد خلال جائحة كورونا، وقد ارتفع عدد السكان السعوديين بنسبة 1.2% خلال نفس الفترة، وقد شكل الذكور ما نسبته 56.8% من إجمالي السكان، أو19.4 مليون فرد، فيما شكلت الإناث ما نسبته 43.2% من إجمالي السكان، أو 14.7 مليون أنثى.

تراجع عدد السكان في 2021 بعد ارتفاعه في عامي 2019 و2020

انخفاض أعداد السكان في السعودية في منتصف العام 2021، جاء بعد ارتفاع أعداد السكان في السعودية من 34.2 مليون نسمة في 2019، إلى 35 مليون نسمة في 2020.

وتقول الإحصاء السعودية إن التكاثر الطبيعي وهو عدد المواليد مطروحاً منه عدد الوفيات كان موجباً للسعوديين ولغير السعوديين، ولذلك فإن الانخفاض في إجمالي عدد السكان نتج بشكل رئيسي عن تراجع أعداد الذكور غير السعوديين المقيمين في المملكة بنسبة 10.6% في منتصف 2021 على أساس سنوي، بسبب زيادة أعداد الذين غادروا المملكة منهم خلال جائحة كورونا.

وشكل السكان السعوديين نسبة 63.6% من إجمالي السكان، بينما شكل غير السعوديين نسبة 36.4%.

كيف ينظر المجتمع السعودي لمسألة انخفاض المواليد؟

تفاعل عدد كبير من المواطنين مع هذه القضية من خلال وسائل التواصلي الاجتماعي وأبرزها “تويتر”، وجاءت ردود الأفعال متباينة بين من ينظر إلى الأمر باعتباره أزمة وبين من يرى الأمر بصورة مختلفة مرجعًا انخفاض المواليد لعدة أسباب، ومن هذا المنطلق نستعرض لكم بعض ما ذكره بعض المغردين السعوديين حول هذه القضية على موقع “تويتر”.

يرى المغرد “عثمان الخويطر”، أنه من غير المنطقي الترويج لانخفاض الخصوبة السعوديين، وأرجع الأمر دون شك لتغيير نظرة المجتمع لمتطلبات تربية النشأ وتعليمهم، وهو أمر طبيعي.

أما المغردة umwael فرفضت ما يتردد حول انخفاض نسبة الخصوبة لدى المرأة السعودية، مشيرًة إلى أن الترويج لهذه الفكرة قد يؤدي لعزوف الشباب عن الزواج بسعودية، وقد يعتبر تشجيع للزواج بأجنبية، مشددًة على أنها ترى أن انخفاض المواليد ناتج بالأساس عن ارتفاع تكاليف الزواج وصعوبته.

 انخفاض المواليد في المملكة العربية السعودية ليس مؤشر خطر كما تروج له وسائل الإعلام بل هو مؤشر وعي أسري عالي، بهذه الكلمات شارك المغرد bin Nasser برأيه في هذه القضية.

أما الإعلامي عبد الله الأسمري مقدم برنامج “المشروع”، فقد شارك متابعيه باستطلاع للرأي حول أسباب انخفاض المواليد في المملكة، وجاء الاستفتاء مصحوبًا بعدة خيارات، حيث ذهب 53% من المشاركين إلى خيار ضعف دخل الأسرة السعودية، بينما حصلت الاختيارات الثلاثة الأخرى على نسب متساوية بنسبة 15% والتي جاءت كالتالي: عمل المرأة ارتفاع نسب الطلاق، أسباب أخرى.

ومن جنبها أرجعت المغردة “نسرين” مسألة انخفاض عدد المواليد لضعف الدخل وارتفاع الأسعار، رافضة تحميل المسؤولية لعمل المرأة.

https://twitter.com/NESREEN_MED/status/1532750030083436544

وقالت المغردة sara_Alsenani إن انخفاض معدل المواليد في السعودية يعكس ارتفاع متطلبات الطفل من رعاية وتعليم وما إلى ذلك، مشيرة إلى أن عمل المرأة يساهم في دفع تكاليف الطفل ويؤدي الي تطور الاقتصاد وتكافؤ الجنسين.

https://twitter.com/sarawal988/status/1533001034678820864

أما المغرد د.عبدالله زبن الحربي يقول إن مؤشر انخفاض معدل المواليد في السعودية يدل على وجود مشكلة اقتصادية بحتة، منها توفر فرص العمل والسكن والتضخم والتي بدورها رفعت نسبة العنوسة وبالتالي انخفاض نسبة الخصوبة في المجتمع والمشكلة معقدة ويجب معالجتها من جوانبها المختلفة.

وأبدى المغرد Adel_AlGhamdi قلقه من المؤشرات قائلًا: ” انخفاض نسبة المواليد في السعودية أمر مخيف، الخطورة تكمن في تحول البلد بعد فتره إلى بلد عجوز أغلب الشعب أعمار كبيرة وهنا ضرر اقتصادي صناعي صحي أمني البلدان تسعى دائما لأن تكون بلدان شابة”.

https://twitter.com/AMG060/status/1539612335676981248

انخفاض المواليد في عيون الخبراء

أرجع الخبراء مسألة انخفاض المواليد لعدة أسباب أبرزها تأخر سن الزواج، وارتفاع مستوى التعليم، وعمل المرأة الذي أعاد ترتيب أولوياتها، ورغبة الزوجين في تحديد النسل، إضافة إلى أسباب صحية منها الإصابة بأمراض مثل تكيس المبايض، وبطانة الرحم المهاجرة، التي تصيب النساء في مرحلة الخصوبة.

أسباب طبية واجتماعية

وفي هذا السياق قال إخصائي أمراض النساء والولادة الدكتور “محمد إدريس”، إن ارتفاع سن الزواج للفتاة، بات يتراوح بين 25 و30 عاماً، إضافة إلى ارتفاع تكاليف الزواج، مما أسهم في تأخر سن الزواج للطرفين.

وشدد على إقبال الكثيرين في تحديد النسل بسبب التغيرات في طبيعة الحياة، لافتًا إلى أن اختلاف نمط الحياة والعادات الغذائية السيئة أسهما في ظهور بعض الأمراض التي تتعلق بالخصوبة وتأخر الإنجاب.

وسلط الدكتور “محمد إدريس” الضوء على المشكلات الصحية التي ساهمت مؤخرًا في انخفاض عدد المواليد والتي جاء في مقدمتها دوالي الخصية، وضعف الحيوانات المنوية، أما بخصوص النساء، فيصبن بأمراض منها تكيس المبايض والبطانة المهاجرة، واللذان يسهمان في تأخر عملية الحمل، مشددًا على أن تأخر المرأة في الإنجاب بعد سن البلوغ بست سنوات يمكن أن يجعلها عرضة للإصابة بتليفات الرحم.

أسباب اقتصادية

وتعليقًا على هذه القضية الهامة تقول الإخصائية الاجتماعية أميمة العنبري، إن تراجع المواليد في أغلب المجتمعات يكون في الأغلب لأسباب اقتصادية في المقام الأول تليها الأسباب الاجتماعية أو حتى التربوية.

وأوضحت أن المرأة في بداية حياتها ترغب في الإنجاز على الصعيد العلمي والمهني قبل الخوض في تجربة الإنجاب والأمومة، أما الرجال ففي الأغلب يعزفون عن الإنجاب أو ينظمونه لأسباب اقتصادية بحتة، فأي رجل يريد أن ينجب عندما يكون قادرًا على تحمل الأعباء الاقتصادية للأبناء.

هل توجد علاقة بين “نظرية مالتوس” وهذا التراجع؟

النظرية “المالتوسية”، صاغها الاقتصادي والديمغرافي الإنجليزي، “توماس روبرت مالتوس”، حيث عاش حياته يبحث في أزمة النمو السكاني، فكانت هذه القضية تؤرقه بشدة.

صاغ مالتوس نظريته الشهيرة في كتاب نشره لأول مرة عام 1798 بصفة مجهولة دون ذكر اسم الكاتب، ويحمل عنوان “مقالة حول مبدأ السكان”.

وتقول هذه النظرية إن وتيرة التكاثر الديمغرافي (السكاني) هي أسرع من وتيرة ازدياد المحاصيل الزراعية وكميات الغذاء المتوفرة للاستهلاك.

وهذا من شأنه أن يؤدي في المحصلة إلى اختلال التوازن بين عدد السكان من جهة وإنتاج الغذاء اللازم لإطعامهم من جهة أخرى، مما ينذر بمشاكل اقتصادية واجتماعية خطيرة من فقر وجوع، وبروز لظواهر مجتمعية سيئة كالتشرد والتسول واحتراف النصب والسرقة.

ويشير مالتوس أمام هذا الوضع إلى أن المجتمع إذا لم يتدارك نفسه ويضع لأفراده (الفقراء منهم تحديدا) قيودا أخلاقية للتحكم في وتيرة تكاثر أعداد السكان بما يتوافق قدرته على إنتاج الغذاء، فإن “قوانين الطبيعة” ستفعل فعلها فيه لإعادة التوازن إليه وإرجاع الأمور إلى نصابها، عبر تفشي الأمراض والمجاعات وكثرة الحروب اقتتالا على الموارد تحت سطوة غريزة البقاء عند الإنسان.

ومن بين القيود الأخلاقية التي يرى مالتوس أنها قد تعين على الحد من الإنجاب، الاستعفاف قبل الزواج وتأخير سنه بالإضافة إلى اقتراحه حلولا أخرى، كما يرى أن من مسؤولية كل أسرة ألا يتجاوز نصيبها من الأطفال القدر الذي ترى يقينا أن باستطاعتها أن تعوله.

دول تعاني من الانكماش السكاني بشكل لافت

هذه الظاهرة اللافتة، تعاني منها عدة دول حول العالم، تتركز معظمها في شرق أوروبا، وذلك وفقًا لنسبة التغيير المتوقعة في الفترة من 2020 وحتى 2050، باستخدام بيانات الأمم المتحدة.

بلغاريا جاءت في الصدارة فيما يتعلق بتوقعات انخفاض المواليد بين عامي 2020 و2050، بنسبة بلغت 22.5%، وجاءت ليتوانيا ثانية بنسبة 22.1%، واحتلت لاتفيا المرتبة الثالثة بنسبة متوقعة بلغت 21.6%.

وفي المرتبة الرابعة جاءت أوكرانيا بنسبة 19.5%، وصربيا خامسة بـ 18.9%، أما المركز السادس كان من نصيب البوسنة والهرسك بنسبة 18.2%.

أسرع مدن العالم من حيث النمو السكاني

النمو السكاني.. كيف تتغير خريطة البشر على مر السنين؟

أكبر جزر العالم من حيث الكثافة السكانية