في عالم مليء بالادعاءات العلمية المتنوعة، يدفع الناس في بعض الأحيان ثمنًا باهظًا مقابل مفاهيم غير مثبتة علميًا.
وتتراوح هذه الادعاءات بين جلسات الاتصال بالأرواح، وشرائط الصوت التحت شعورية، إلى علاجات بديلة غير مجربة. وفي حين قد يتساءل الكثيرون “كيف يمكن لأي شخص تصديق هذه الأشياء؟” فإن هناك بالفعل من يتبعها حتى يومنا هذا.
الإجابة تكمن في مجموعة من التكتيكات النفسية التي يعتمد عليها مروجو العلوم الزائفة، والتي تتناول، بحسب كتاب «الحنين إلى الخرافة: فصول في العلم الزائف»، للكاتب عادل مصطفى، كيفية بناء المصداقية، وتوجيه المشاعر، واستخدام تحيزات التفكير البشري لتسويق ادعاءات لا تستند إلى أي دليل علمي.
خلق الأوهام والسراب
أول خطوة في تسويق العلم الزائف، كما يصفها باحث علم النفسي الأمريكي، أنتوني براتكانيس، هي خلق هدف يبدو ممكنًا، ولكن من المستحيل تحقيقه.
مثلًا، يدفع الناس أموالًا كثيرة لتجربة الاتصال بالأرواح أو لتحسين حياتهم عبر شرائط الصوت التحت شعورية، رغم أن هذه الأمور لا تقدم أي نتائج حقيقية. السراب هنا هو الاعتقاد بأن الهدف بعيد المنال يمكن تحقيقه بسهولة مقابل بعض المال أو الجهد.
وتحتوي الشرائط الصوتية التحت شعورية على رسائل مسجلة بسرعة أو بترددات غير مسموعة للإنسان العادي. تُوجه مباشرة إلى العقل الباطن، حيث يُعتقد أنها تؤثر في السلوك أو العواطف دون أن يدرك الشخص ذلك. عادة ما تُسْتَخْدَم لتحفيز تغيير إيجابي مثل تحسين الثقة بالنفس أو التخلص من العادات السيئة، ولكن تأثيرها العلمي يظل محل جدل.
فخ التبرير
من أهم الأساليب التي يتبعها مروجو العلوم الزائفة هو استخدام «فخ التبرير».
الهدف هو جعل الشخص يبدأ بتصرف صغير ثم يزداد التزامه مع الوقت، مثل شراء منتج غير مجرب أو الاستماع إلى شريط صوتي، وبالتالي يصبح من الصعب عليه التراجع أو التشكيك في صحة اختياره.
قد يبدأ الشخص بشيء بسيط، كاستشارة روحانية، ثم يجد نفسه في النهاية يقضي المزيد من المال والوقت في مواصلة هذه الممارسات.
مصداقية المصدر
لا يحتاج العلم الزائف إلى إثبات علمي طالما كان له «خبير» أو «قائد» يدعمه.
فمن خلال الترويج لمصدر موثوق (على سبيل المثال، «خبير» في علم الروحانيات أو الطب البديل)، يمكن أن يُقنع الناس بقبول الادعاءات الزائفة دون السؤال عن مصداقيتها.
هذه الشخصية القوية التي يُنظر إليها على أنها مصدر للمعرفة تخلق إطارًا يعزز القبول بدون تفكير نقدي.
إغراءات زاهية وذكريات مثيرة
تروي العلوم الزائفة قصصًا مثيرة تبقى في الأذهان لفترة طويلة. ربما تكون هذه القصص عن تجارب غريبة في مثلث برمودا أو لقاءات مع كائنات فضائية.
ورغم أن هذه القصص قد تكون لا أساس لها من الصحة، فإن لها تأثيرًا قويًا على الذاكرة الجماعية، مما يجعل من الصعب على العقل البشري تجاهلها أو نسيانها.
الإقناع المسبق
استخدام التلاعب الذهني لتوجيه التفكير قبل أن يبدأ الشخص في التحليل يعد أحد التكتيكات الفعالة.
على سبيل المثال، تُحَضَّر الأرضية مسبقًا لتقبل فكرة معينة بتحديد الإطار الذي سيُناقش فيه الموضوع، مثل تقديم الطب البديل على أنه «حق الإنسان في حرية العلاج»، ليتم تجاهل أي اعتراضات من السلطات الصحية.
بهذه الطريقة، يُوَجَّه الشخص نحو القبول دون الحاجة إلى حجة دامغة.
بناء المجتمعات والرموز المشتركة
إنشاء جماعة أو مجتمع يشعر أفراده بأنهم جزء من شيء أكبر يساهم بشكل كبير في نشر العلم الزائف.
من خلال الطقوس والرموز، تخلق هذه الجماعات إحساسًا بالانتماء، مما يجعل من الصعب على الفرد الانفصال أو التشكيك في معتقدات المجموعة.
كما أن هذه الجماعات تساعد على بناء الشعور بالاستحقاق والاستعلاء على الآخرين، وتستخدم هذه الانتماءات كوسيلة لتعزيز المعتقدات غير المثبتة.
التفكير السطحي والاختصارات الذهنية
غالبًا ما يُسْتَغَلّ المبادئ البسيطة والشائعة لتبرير المعتقدات العلمية الزائفة. على سبيل المثال، إذا كان شيء ما باهظ الثمن، فهو غالبًا أفضل وأكثر فعالية، وهي قاعدة تختصر الكثير من التفكير النقدي.
يركز المروجون للعلم الزائف على هذه الأفكار المقبولة لتسريع عملية الإقناع.
استخدام أساليب الإقناع النفسي
التأكيد على العاطفة والانتماء هو جزء مهم من هذه التكتيك. فعند تفعيل مشاعر مثل الخوف أو الأمل، يمكن تحفيز الناس على الإيمان بشيء غير منطقي.
هذا النوع من الإقناع لا يعتمد على المنطق، بل على الإثارة العاطفية، مثل خوف الناس من أن «الحكومة تخفي الحقيقة».
خلق عدو مشترك
في هذه التكتيك، يُظهر المروجون للعِلم الزائف أن هناك قوة معارضة (مثل الحكومات أو الشركات الكبرى) تعمل ضد الحقيقة.
تخلق هذه الفكرة إحساسًا بالوحدة والانتماء إلى الآخرين الذين يعتقدون أيضًا أن «الحقيقة» قد أُخْفِيَت عليهم.
وتظهر هذه التكتيكات النفسية أن بيع العلوم الزائفة ليس مجرد خدعة، بل عملية معقدة تعتمد على استغلال الأوهام البشرية، والتلاعب بالثقافة الاجتماعية والمعتقدات الفردية. حيث يتمكن مروجو هذه العلوم من النجاح في إقناع الناس بأنهم يقدمون حلاً لفراغات حياتية عميقة، رغم أن الواقع مختلف تمامًا.