تأتي زيارة شي جين بينغ لكوريا الشمالية في وقت شديد الحساسية جيو-سياسيًا لتكشف بوضوح أن العلاقات بين بكين وبيونغ يانغ أعمق بكثير من مجرد مظاهر احتفالية أو لافتات ترحيبية في الشوارع.
ورغم أن حشود العاصمة الكورية اصطفت بهتافات صاخبة باللغتين الصينية والكورية، إلا أن كواليس لقاء الرئيس الصيني بالزعيم كيم جونغ أون تعكس رغبة بكين في إحكام قبضتها على جار استراتيجي حاسم لكنه متقلب، ولا يمكن التنبؤ بتصرفاته العسكرية المستقبيلة.
الحسابات الصينية وراء زيارة شي جين بينغ لكوريا الشمالية
بالنسبة لبكين، تمثل كوريا الشمالية الجار الحليف الذي لا يمكن السيطرة الكاملة على طموحاته النووية، وفي الوقت ذاته، لا يمكن للصين بأي حال من الأحوال تحمل خسارته لصالح المعسكر الغربي.
ومن هنا، تكتسب زيارة شي جين بينغ لكوريا الشمالية أهمية بالغة؛ فالعلاقات التاريخية التي توصف غالبًا بأنها "مغموسة بالدماء" منذ الحرب الكورية، واجهت موجات من الشكوك المتبادلة في السنوات الأخيرة، ما دفع الرئيس الصيني للتحرك شخصياً لإعادة تأكيد نفوذ بلاده وسيطرتها على شريكها النووي، وضمان امتلاك أوراق الضغط (Leverage) لحماية مصالح الصين القومية.
وتشير التقارير الدبلوماسية إلى أن الصين تبحث عن الاستقرار على حدودها، وترفض تمامًا الانجرار إلى أزمات تفجرها البرامج التسلحية لبيونغ يانغ، إلا أن ما يثير قلق بكين الفعلي اليوم هو التقارب المتسارع والتحالف العسكري المتنامي بين كيم جونغ أون وموسكو.
فالصين تشعر بتوجس من تنامي حضور روسيا على المسرح الآسيوي، خاصة بعد لقاء شي بالرئيس بوتين الأسبوع الماضي؛ الأمر الذي جعل بكين ترى في هذه القمة الاستثنائية خطوة وقائية لإبقاء كيم تحت ناظريها وعدم تركه يرتطِم كلياً بالكامل في الأحضان الروسية.
ذوبان الجليد ومخاوف "حلف موسكو"
وكان الفتور بين الجارين واضحًا طوال العام الماضي، حيث مرت الذكرى الخامسة والسبعون لإقامة العلاقات الدبلوماسية ببرود ملحوظ وغياب للتبادلات رفيعة المستوى، وهو ما شكل نقيضًا صارخًا لعلاقات بيونغ يانغ الدافئة مع موسكو منذ الغزو الروسي لأوكرانيا.
هذا التقارب الروسي الكوري بلغ ذروته بتوقيع معاهدة دفاع مشترك، وسط تقارير تفيد بمقتل نحو 2,300 جندي كوري شمالي يقاتلون لصالح روسيا، وتزويد طهران وموسكو بالذخائر مقابل الحصول على النفط والمساعدات التقنية، وهو ما أثار ذعر واشنطن وقلق بكين بصمت.
لذلك، جاءت زيارة شي جين بينغ لكوريا الشمالية كإعادة ضبط استراتيجية للموازين؛ فالصين لا تمتلك سوى معاهدة دفاع رسمي واحدة ووحيدة عالمياً وهي المبرمة مع بيونغ يانغ، ولن تسمح بأن تصبح روسيا القوة المهيمنة هناك، لأن وجود كيم بأوراق قوة أكبر وأقل اعتمادًا على الصين يعني تراجع نفوذ بكين الإقليمي.
وتبنت الصين استراتيجية "المشاعر المختلطة"؛ فمن ناحية يروق لها أن يشتت هذا التحالف الكوري الروسي انتباه واشنطن ويعقد استراتيجيتها، لكنها تخشى من جهة أخرى أن يؤدي ذلك إلى ولادة رد عسكري ثلاثي عنيف ومستدام يجمع الولايات المتحدة واليابان وكوريا الجنوبية على حدودها البحرية.
الشريك البراغماتي وحبل المساعدات
وفي مقابل هذا الحذر الصيني، يدرك الزعيم كيم جونغ أون جيدًا أنه لا يملك رفاهية استعداء التنين الصيني الذي يمثل الشريان الحيوي والاقتصادي الأكبر لبلاده؛ حيث قفزت الصادرات الصينية إلى كوريا الشمالية لتصل لنحو 2.3 مليار دولار العام الماضي، وهو أعلى مستوى لها في 6 سنوات.
يأتي هذا بالتزامن مع استئناف رحلات قطارات الركاب بين البلدين بعد توقف طويل. هذا الدعم المالي الضخم يثبت أن بيونغ يانغ ستظل بحاجة إلى المظلة الاقتصادية الصينية مهما بلغت تفاهماتها العسكرية مع روسيا.
وتأكيدًا على هذا الترابط الاستراتيجي، فإن نجاح زيارة شي جين بينغ لكوريا الشمالية يعزز من فكرة الشراكة البراغماتية؛ فبكين التي استخدمت سابقًا حق الفيتو لحماية كيم من العقوبات الأمريكية، توظف هذا الدعم لضمان عدم خروج بيونغ يانغ عن النص المسموح به.
وتظل الأيام المقبلة كفيلة برصد آليات التنسيق المشترك، وما إذا كانت الصين ستنجح في كبح جماح كيم النووي، أم أن الأخير سيتخذ من المحور الروسي وسيلة للمناورة والتحرر من نفوذ جاره الصيني الأكبر.












